سبتمبر 20, 2021 @ 6:08

ثمة حاجة ماسة إلى مشروع للمصارحة والمصالحة الوطنية في الساحة السودانية، وهو مشروع تقتضيه الظروف التاريخية التي أفرزت تراكمات اختناقات ساهمت في إذكاء حدة الاستقطاب وكرست العصبيات التي أفضت إلى نزاعات أضرت كثيراً بالنسيج الوطني. وهذا مشروع يحتاج إلى الكثير من الصبر والمثابرة والتفاعل الهادف، وهو بهذا ينأى عن الترويج لبضائع مسلوقة ومستهلكة في سوق الساسة، ويحتاج إلى تفكير موضوعي يبتعد عن التشنج والانفعال التلقائي تجاه الأحداث، وهذا شيء مهم لأن نبرة الانفعال والتوتر ستتصاعد حدتها كلما اقترب موعد الاستفتاء المنتظر على تقرير مصير السودان الذي سُنقدّم فيه على قرار فاصل في تاريخ أمتنا، وفي هذا السياق لا يصح التسرع في إصدار الأحكام القطعية عن مآلات الأمور، فالأشياء متحركة في السياسة وبالذات في السياسة السودانية التي تبحر سفنها على غير هدى ومن دون مرساة، نعود إلى موضوعنا ونبدأ بتعريف بعض المفاهيم ذات الصلة:

الخلفية وتعريف المفاهيم

تعتبر المصارحة والمصالحة من أهم عوامل تحقيق العدالة الانتقالية في المجتمعات الخارجة لتوها من أتون صراعات دموية داخلية، خاصة الحروب الأهلية المطولة، والنزاعات العرقية والدينية التي تلجأ الأطراف فيها إلى أشكال العنف كافة، ومنها العنف الدموي الناجم عن استخدام الأسلحة بأشكالها التقليدية والحديثة.

أستهل هذا الموضوع بتعريف بعض المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة:

المصارحة والمصالحة

المصارحة هي المواجهة بالحقيقة وإن كانت مؤلمة، ويقولون إن “الحقيقة مُرة” ولكنها السبيل الوحيد للتخلص من أرزاء الغل والكراهية، وركيزتها الأساسية المفاتحة، وإفراغ المكنون الذي حوته الأنفس وما يعتمل في الصدور من غضب مكبوت، وفي سياق مجتمعات ما بعد الصراع، يظل الماضي هو الهاجس الذي يبقى يغلي في مرجل داخلي على نار هادئة أو حامية، ويأبى أن يزول إلا بالتنفيس التدريجي، وبأساليب تحتاج إلى الكثير من الانفتاح (Openness)، والتؤدة، ورحابة الصدر، والحكمة والبصيرة النافذة، وتحتاج المصارحة إلى الشجاعة والجرأة في التعبير عن العتاب المنطلق من رحابة في استيعاب الآخر، واحترام غضبه مهما كانت درجة حدته.

يقولون إن المعرفة قوة، ومعرفة الحقيقة قوة وطاقة هائلة، وقال نيلز بور، وهو عالم الفيزياء الدنماركي المعروف الذي كان أول من طبق نظرية الكم ونال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1922. “إن أفضل سلاح للدكتاتورية هو السرية، ولكن أفضل سلاح للديمقراطية ينبغي أن يكون سلاح الانفتاح”.

الواجب الأخلاقي في مواجهة الماضي:

يستدل نُشطاء حقوق الإنسان والضحايا وغيرهم بأن هناك واجبا أخلاقيا في التذكر، ولقبول الضحايا والاعتراف بهم كضحايا، كما أن نسيان المجتمع للضحايا والناجين من الفظائع يعتبر شكلا من أشكال إعادة إنتاج الإحساس بالظلم والإهانة.

من المستحيل تجاهل الماضي: ثمة مبرر آخر وهو أنه من المستحيل تجاهل الماضي أو نسيانه – فهو دائما يطفو على السطح – لذلك من الأفضل استظهاره بطريقة بناءة وشفافة، ويمكن أن نطلق على البديل الآخر اسم “فوران” الذاكرة حيث يغلي الغضب وعدم الرضى تحت سطح الحياة السياسية وبالتالي ينفلتان من وقت لآخر.

لنمنع ذلك في المستقبل!: طبقا لهذا المبرر نرى أن مواجهة الماضي تخلق نوعا من الردع، فالتذكر والمطالبة بالمحاسبة (أياً كان شكل هذه المحاسبة، عدلاً أو إنصافاً للمظلوم)  هما وحدهما الكفيلان بالحيلولة دون ارتكاب أعمال شنيعة أو فظاعات في المستقبل.

الاعتذار عن الماضي

نماذج دولية

• رئيس السلفادور يعتذر للشعب عن جريمة قتل قبل 30 عاما

في خطوة لم يقم بها أي زعيم من قبل، اعترف رئيس السلفادور، موريسيو فوينيس علناً بأن قتلة كبير أساقفة البلاد أوسكار روميرو، قبل نحو 30 عاماً، كانوا ينتمون لفرق الموت التي كانت تعمل بتفاهم مع الحكومة السلفادورية والتعاون معها، آنذاك.

وقال فوينيس في خطاب وجهه لشعبه: “بالنيابة عن دولة السلفادور، وبصفتي رئيساً للجمهورية.. أقر بأن كبير أساقفة البلاد أوسكار آرنولفو روميرو غالداميز، كان في الرابع والعشرين من مارس/آذار 1980 ضحية عنف غير مشروع نفذته فرق الموت.”

وأضاف الرئيس السلفادوري: “فرق الموت هذه ولسوء الحظ، كانت تعمل بغطاء حكومي أو بالتعاون مع عملاء النظام أو بالإذعان لأوامرهم أو بمشاركتهم.”

وجاء مقتل رئيس أساقفة السلفادور في العام 1980 بعد دعوته حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى التوقف عن تقديم المساعدات للحكومة السلفادورية، التي كانت متورطة فيما سيتحول لاحقاً إلى حرب أهلية ضد الجماعات اليسارية المعارضة.

ويقدر المؤرخون عدد السلفادوريين الذين قتلوا خلال الحرب الأهلية بين عام 1980 و1992 بحوالي 70 ألف مواطن، ويتم إحياء ذكرى مقتل كبير الأساقفة كل عام منذ ذلك الحين باعتباره يشكل رمزاً للعنف الذي ساد البلاد.

وقال فوينيس بهذه المناسبة: “هذا من دون شك يوماً مؤلماً لأن ذكرى الاغتيال الوحشية للأسقف الشهيد مازالت ماثلة في قلوبنا، لكنه كذلك يوم للاحتفاء بالحياة.”

وأكد فوينيس أن الاعتذار الحكومي عن مقتله كان لازماً منذ سنوات مضت، مضيفاً: “في ظل هذه الظروف وبحسب مقدرتي كرئيس، فإنني أطلب المغفرة والعفو باسم الدولة السلفادورية عن هذه الجريمة التي وقعت قبل 30 عاماً.”

وقدم الرئيس اعتذاره على وجه الخصوص لعائلة الأسقف وللشعب السلفادوري وللكنيسة الكاثوليكية ولأهالي آلاف المواطنين الذين عانوا جراء هذا العنف.”

• اعتذار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون باسم الحكومة البريطانية  للشعب الآيرلندي عن مذبحة ارتكبها الجيش البريطاني في شوارع بلفاست ضد مظاهرة سلمية قبل 38 سنة.

اعتذر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الثلاثاء عن احداث “الاحد الدامي” التي تعتبر احد احلك الاحداث في تاريخ ايرلندا الشمالية وقتل فيها 14 متظاهرا كاثوليكيا برصاص الجيش في لندنديري، ووصفها بانها “غير مبررة ولا يمكن تبريرها”.ونشرت الحكومة البريطانية الثلاثاء نتائج تحقيق طال انتظاره اجرته حول “الاحد الدامي” جاء فيه ان جميع الضحايا كانوا عزل وان الجنود لم يصدروا اي تحذير قبل ان يفتحوا النار عليهم.وقال كاميرون امام مجلس العموم البريطاني “لا شك في ان ما حدث يوم الاحد الدامي غير مبرر ولا يمكن تبريره. وكان خاطئا”.وكان جنود بريطانيون اطلقوا النار في 30 كانون الثاني/يناير 1972 على حشد من الكاثوليك كانوا يقومون بمسيرة للدفاع عن حقوقهم المدنية. وقتل 13 شخصا على الفور وتوفي واحد في المستشفى بعد اسابيع.واكد كاميرون ان “عددا من عناصر قواتنا المسلحة تصرفوا بطريقة خاطئة .. والحكومة مسؤولة في النهاية عن تصرفات القوات المسلحة. ولذلك ونيابة عن بلادنا فإنني اعرب عن اسفي العميق”.وقوبل اعتذار كاميرون بهتافات الترحيب في لندنبيري، ثاني اكبر مدن ايرلندا الشمالية، التي اطلقها اقارب القتلى والاف من مؤيديهم الذين شاهدوا الاعتذار على شاشات تلفزيونية ضخمة.ووسط صيحات الابتهاج اعرب اقارب الضحايا عن ارتياحهم بنجاح حملتهم التي استمرت 38 عاما لتبرئة اقاربهم.وقال ليام راي “الان اصبح العالم يعرف الحقيقة. لقد قتل جيم، وكان بريئا”.وخلص التقرير الى ان جيم راي قتل برصاصة في الظهر اطلقت عليه على الارجح بينما كان ملقى على الارض يحتضر اثر اصابته بجرح بالغ “من دون تبرير ممكن”.وكان “الاحد الدامي” من ابرز الحوادث في الاضطرابات في ايرلندا الشمالية التي استمرت ثلاثة عقود واسفرت عن سقوط 3500 قتيل. وقد انتهت بتوقيع اتفاق الجمعة العظيمة في 1998.واستغرق التحقيق 12 عاما وكلف اكثر من 190 مليون جنيه استرليني (230 مليون يورو) لمعرفة الحقيقة الكاملة حول الحادث.وسادت مخاوف من ان يفتح نشر التقرير جروحا قديمة اذ لا يزال التوتر كبيرا في ايرلندا الشمالية نظرا لتاريخها العنيف من القتال بين الكاثوليك والبروتستانت.واطلق التحقيق في 1998 بامر من رئيس الوزراء حينذاك توني بلير وكان يفترض ان ينتهي في 2005 مع تسارع عملية السلام، وترأسه القاضي مارك سافيل بعد رفض تحقيق اجري عام 1972 عقب الحادث.وخلص التقرير الى ان ما حدث يوم “الاحد الدامي” عزز الجيش الجمهوري الايرلندي وزاد من الاستياء والعداء القومي تجاه الجيش وادى الى تفاقم النزاع العنيف لسنوات بعد ذلك.كما قال التقرير ان “الاحد الدامي” كان ماساة على اقارب القتلى وعلى المصابين وكارثة على شعب ايرلندا الشمالية.واضاف ان نائب رئيس الوزراء في ايرلندا الشمالية مارتن ماكغينس، الذي كان من قادة الجيش الجمهوري الايرلندي في ذلك الحين، كان موجودا يوم “الاحد الدامي” وربما كان يحمل بندقية رشاشة اطلق منها النار. الا ان التقرير اكد ان ماكغينس لم يفعل اي شيء من شانه استفزاز الجنود ودفعهم لاطلاق النار.واستمع التحقيق لاقوال اكثر من 900 شاهد وتلقى افادات من نحو 2500 شخص. وبلغ حجم الادلة ما بين 20 و30 مليون كلمة، واستغرق التحقيق اطول فترة وكان اكثر التحقيقات العامة كلفة في تاريخ بريطانيا.وفي واشنطن رحب المتحدث باسم الخارجية الاميركية بنتائج التحقيق. وقال “نحن ندرك الالم الطويل والعميق الذي عانى منه من فقدوا احباءهم يوم الاحد الدامي وخلال النزاع في ايرلندا الشمالية في كل الطوائف”. واضاف “نامل بان يساهم اكتمال التحقيق المستقل ونشر التقرير في تحول ايرلندا الشمالية المستمر من ماضيها المضطرب الى مستقبلها السلمي”.وانتقد الحزب الديموقراطي الوحدوي البروتستانتي الذي اصبح زعيمه بيتر روبنسون اول رئيس وزراء لايرلندا الشمالية، التحقيق وقال انه يؤدي الى “تفرقة بين الضحايا” في ايرلندا الشمالية.وقال غريغوري كامبيل النائب المحلي عن الحزب “فيما يحقق اللورد سافيل في احداث الاحد الدامي، لا يزال هناك الاف الضحايا الاخرين الذين اهملت قضاياهم”.واضاف “لقد قتل اكثر من 3500 شخص خلال ما نطلق عليه اسم +الاضطرابات+ وهناك مئات القضايا التي لم تحل في كل أنحاء المقاطعة، ولكننا نرى مئات ملايين الجنيهات تنفق على اقل من عشرين من هؤلاء القتلى”.

تقوية الديمقراطية: يعتبر العديد من الأشخاص أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم على أساس أكاذيب وأوهام وأحاديث معسولة وتفكير رُغبي (wishful Thinking)، وأن جهودا مستمرة ومنظمة وتوافقية لمواجهة الماضي يمكن أن تؤدي إلى ديمقراطية أكثر قوة ورسوخا، ويتم ذلك بشكل كبير من خلال إرساء ثقافة المحاسبة (مثل مكافحة الإفلات من العقاب) ومن خلال بناء ثقافة ديمقراطية، تعزز الاعتراف المتبادل بالآخر.

المصارحة في السياق السوداني:

أولاً، هل نحن بحاجة إلى مصارحة في سياق التحديات التي تواجه بلادنا؟ الإجابة هي نعم، طيب المصارحة لماذا؟ وبين من؟ الإجابة بشكل عام، هي أن نقيم المصارحة بين أطراف الأزمة، في الشمال والجنوب (وأنا هنا أتحدث عن الطرفين بالمعنى الجغرافي)، الغرب والوسط (عيال الغرب وعيال البحر)، المركز والهامش (الحضر والريف، أهل الحضارة والمتخلفين)، شاعت ثقافة القبيلة، والقبيلة تقوى عندما يضمحل الانتماء للكيان الجامع (الوطن) خاصة إذا حدثت هيمنة من طرف حزبي أو قبلي أو طائفي على هذا الكيان الجامع (الوطن)، وقام هذا الطرف بفرض مشروعه على الآخرين عندئذ يلوذ الناس بملاذات آمنة وأقربها الجماعة أو القبيلة أو حتى الفخيذة. تزداد هذه المشكلة حدة إذا تم تعريف الدولة من خلال سلطة فرد، أو هيمنة فئة أو طائفة أو عقيدة معينة، على حساب الآخرين (أغلبية كانوا أو جماعات أو تكوينات إقليمية أو عرقية). تأسيس ثقافة حكم الفرد الذي يُنظر إليه على أساس أنه الرئيس الملهم (نقولَ نعم وألف نعم ليك يا القائد الملهم) والقائد التاريخي، أو ما يسمى في أدبيات السياسة بالـ (Personality Cult)، تأليه الشخوص. هذا كله يأتي على حساب المؤسسية وترسيخ المؤسسات، وأدى هذا إلى تغييب دور المؤسسات التي تحرس حقوق الناس وتحميهم من تغول الدولة وسطوة الفرد أو الجماعة أو الطائفة. حصيلة غياب المؤسسية هي الاتجاه نحو تكريس سلطة التسلط (ودا ليهو أشكال ذروتها دكتاتورية الفرد) وإقامة نظام إرثي (ولا أعني ميراثي قائم على الوراثة) وإنما أعني إقامة نظام تسلطي قائم على دكتاتورية الفرد، ويتمحور حول فرد يصبح هو كل شيء في النظام السياسي ومعه بطانة (غالباً ما تكون بطانة سوء) تتغذى على فتات موائده وتلبي رغباته وتستنفع منه على حساب البقية الباقية من السكان، ولا مانع لدى هذه القلة المنتفعة من قهر الآخرين وتهميشهم. هذا لم يجد قبولاً في السودان، التسلط والقهر أو ما يسميه السودانيون “رفع النخرة” مرفوض، وهم قاوموا أشكال من الحكم المتسلط وأسقطوا دكتاتوريتين عسكريتين، وفي هذا درس لمن يعتبر. المهم أن تكريس التسلط والقهر سيؤدي إلى بروز مجموعات مهمشة تتمرد على هذا الواقع وترفضه، وحين تغلق أبواب الحوار والتداول السلمي للسلطة ويُكرس الظلم ويغيب العدل، يلجأ المظاليم إلى المقاومة ومنها المقاومة المسلحة، والتي قد تنتهي بنا إلى تشققات عرقية ومناطقية مظهرها الأسوأ هو التفكك الإقليمي (Fragmentation). يبدأ هذا بلجوء الناس إلى الملاذات الآمنة الأخرى التي يجدون فيها هويتهم المفقودة في الكيان الجامع (القبيلة، الطائفة، المنطقة)، أو يتمردوا على هذا الواقع، وتحدث مشكلة حينما يكون شكل هذا التمرد هو الاقتتال وحسم الصراع بوسائل عنف)، أو يستغنوا عن الكيان الجامع (الوطن) كُليةً ويؤسسوا كياناتهم أو ملاذاتهم الذاتية، والتي تكون إما Parastatal شبه دولة أو Quasi-state  (موازية للدولة). كالتنظيمات والمنظمات الإرهابية والعصابات والتكوينات دون مستوى الدولة، أو تكون هناك  الدولة الناقصة State- manqué. (يعني” دولة إلا” بالسوداني الدارجي).

إزالة النمطيات والغبن التاريخي

إزالة النمطيات يتم بطرح حوار صريح وصادق، ومن نماذج هذا التنميط عبارات مثل (ود الأخيدر، ود سِرية، فيهو عرق، عب شايقية، حلبي، أبكرونا، أولاد العوض، الجلابي، المندكورو، غني وشكري يا أم قرقد حتو، أهلنا الغرابة)، وغيرها من أشكال التنميط التي تكرس ثقافة العزل والإقصاء وإقامة جدران الفصل، والتشقات العرقية ethnic cleavages وهلمجرا).

المشكلة ليست مسألة صراع بين شمال عروبي إسلامي ضد عنصر زرقة أو أفريقي مسيحي أو أرواحي. المشكلة مشكلة استعلاء متوهم، ومبني على ممارسات وتراكمات تاريخية خاطئة وموجودة على نطاق شعبي واسع (الرق والاسترقاق)، تم تكريس هذه الممارسات في صيغ استعلائية، وجدت طريقها للأسف إلى السياسات، فحدث الإجحاف والحط من قيمة الآخرين (أهل الأطراف والهامش) في دولة المركز (السودنة تمت على أساس استعلاء ثقافي، وكان فيها ارتجال واضح أضر بأهل الهامش، وكان النصيب الأوفر في دولاب دولة ما بعد الاستعمار لأولاد البحر والوسط، دفعات وادي سيدنا وحنتوب).

قنوات المصارحة: المنتديات، المحاضرات، الندوات، لجان أهلية ورسمية، نقاشات وحوارات موسعة في وسائل الإعلام تعرض النماذج السلبية، وتعمل على إزالة الفروق والسلبيات، عرض نماذج التعايش السلمي والاعتراف بالآخر، الكف عن محاولات قولبة الآخر من خلال فرض أطر ثقافية عليه وخلع نماذج مقولبة أو معدة سلفاً عليه. اتفاقية السلام الشاملة خلقت واقعاً جديداً، سقط “المشروع الحضاري عند التوقيع على الاتفاقية في نيفاشا، بدأنا مرحلة تحول (Transformation) نحو دولة جديدة، ولكن حدث انتكاس وعدنا إلى الانكفاء من جديد، حدث استحضار لأشكال بدائية من العصبيات الدينية والفكرية والثقافية، عدنا إلى كنف القبيلة والأقلمة، وتعريف الدولة وهياكلها على أساس قبلي/عرقي (قصة طلبات وزارة الطاقة في عهد عوض الجاز التي نوقشت في المجلس الوطني). تأججت الصراعات، هناك أحاديث تطفو وتخبو عن إقامة خلافة جديدة على جسد هذا السودان المحتضر، صحيح أن تجليات هذا الحديث تطفو وتطفح في منابر إعلامية وعبر أبواق داخلية، لكن شواهدها المأساوية كانت حاضرة في مجتمع جُبل على التسامح، وحسن الصحبة ورؤية الآخر في إطار من الإلفة وحسن القبول، حادث هجوم السلفيين على المصلين في مسجد الجريف في رمضان وفي حي الثورة، هي شواهد لتوجه نحو التطرف الديني، المدارس الطالبانية (مدارس الإيمان الخاصة) التي تغذي النشء الجديد بالفكر المتطرف، غياب روح التسامح رويداً رويدا، شيوع ثقافة الاستئساد وسطوة القوي على حساب الضعيف، شكل الجريمة الدخيل، تفكك الأسرة وكثرة حالات الطلاق، التفسخ الأخلاقي ومظاهره حتى في قنوات التعبير (الغناء الهابط)، والقائمة تطول.

الحاجة إلى المصارحة: المذابح (1955 أحداث توريت، مذبحة الضعين، عنبر جودة، قصر الضيافة، بيوت الأشباح)، سياسة الأرض المحروقة في الجنوب، سبي الأسرى من النساء والأطفال، هذه ليست أحداثاً عابرة في تاريخ أمة. هي محطات لا بد من الوقوف عندها، ومعرفة حقائقها وتفاصيلها المؤلمة. يعني هذه الأشياء لا تخرج من الذاكرة ولا تموت بفعل الزمان، لا بد من فتح هذه الجروح وإفراغها من القيح وتطبيبها ومن ثم نضمدها حتى تبرأ، هكذا فعلت أمم غيرنا خاضت هذا المعترك وواجهته برباطة جأش ومنهجية علمية وخرجت منه موحدة وقوية، (تجربة جنوب أفريقيا، المغرب).

المصالحة

المصالحةُ الوطنيةُ… ما هي؟

بعد المصارحة تبدأ عملية المصالحة، وهذا على الرغم من صعوبة رسم خط فاصل بين عمليتين متداخلتين في الأساس.

طرحت اتفاقية نيفاشا موضوع المصالحةُ الوطنيةُ، ودا طبعاً أحد الاستحقاقات المؤجلة إلى هذه اللحظة من اتفاقية السلام الشاملة لعام 2005، فقد نصت المادة (21) من دستور السودان الانتقالي لعام 2005 والذي جاءت به اتفاقية نيفاشا على ما يلي: (المصالحة الوطنية) “تبتدر الدولة عملية شاملة للمصالحة الوطنية وتضميد الجراح من أجل تحقيق التوافق الوطني والتعايش السلمي بين جميع السودانيين.” أي أن هذا الأمر استحقاق دستوري كان لا بد من أن يحترم لأن هذا يبرهن على مدى احترامنا لدستورنا.

من حيث الفكرة ففي رأيي أن المصالحة الوطنية مبتغى حميد يجب السعي لتحقيقه في مجتمع ينشد تضميد الجراح، والتعافي من إفرازات الصراعات، وإزالة الغبن التاريخي، وبذلك فالمصالحة الوطنية هي السبيل الوحيد لإخراج الوطن من أزمته، والبحث على وسائل حضارية لانتشاله من وهدته، ولكن مع تقديرنا لهذا الطرح الذي ظللنا ننتظره على مدى أربعة عقود ونيف نتساءل:-

هل جاءَ هذا المشروع في وقتهِ؟

 وهل طُرح بالطريقة الصحيحة؟

لنناقش هذين التساؤلين :-

أما من حيث الوقت فقد جاء متأخراً ومتأخراً جداً، وذلك بعد أن أوشكت سفينة الوطن على الغرق، ولكن الإصلاح نوع من التوبة والتوبة ليس لها وقت.

ومن حيث الكيفية التي طُرح بها هذا الموضوع فهذا ما يتوجب مناقشته برؤية وروية وموضوعية وتجرد، لأننا ننشد إخراج الوطن من أزمتهِ والوطن ليس حكراً على فئة معينة، كما أن الوطنية ليست صكوكاً يوزعها الكهنة والسدنة، وإنما هي إحساس متجرد من كل غرض ذاتي أو فئوي.

 لقد دأبتْ الأنظمة التي تنشد الإصلاح، أو التي تتشدق به (Lip service)، على دعوة كل الفرقاء للبحث عن وسيلة للوصول إليه، وهذا لا يتم إلا عبر المواطن الذي هو هدف الإصلاح ووسيلته، ومن هنا يجب أن يكون أهل البيت هم أطراف هذا الحوار الوطني المُوصّل إلى المصالحة المنشودة، وكما لا يخفى على كل ذي لب لابد من وضع إطار للتفاهم بين فرقاء هذه العملية حتى يكون الحوار منتجاً وفعالاً، ولكي نصل إلى هذا الإطار لابد من تعريف دقيق للمصطلحات حتى لا يقع خلاف في أول منعطف بالطريق، وكي لا يكون الحوار حوار طرشان…. كما يقولون.

ولنبدأ بتعريف مفهوم ” المصالحة الوطنية.

 “المصالحة الوطنية هي صيغةُ تفاهمٍ بين أبناء الوطن الواحد للوصول إلى برنامج متفقٍ عليهِ لإنقاذ الوطن من أزمتهِ ووضعهِ على الطريق الصحيح.”

ومن هذا التعريف يمكننا استخلاص الأتي :-

1- لابد من وضع صيغة للتفاهم وهذه الصيغة التي يتم الحوار حولها والبحث في تفاصيلها، وخلق آليات تطبيقها وتنفيذها طبقا لتوقيتات زمنية محددة.

2- أن يكون هذا التفاهم بين أبناء الوطن الواحد بشتى مذاهبه ومشاربه شاملاً لكل ألوان الطيف السياسي المكونة لنسيج المجتمع، حتى وإن لم تكن ظاهرة أو ناشطة في الفضاء العام.  المطلوب تكافؤ أطراف الحوار وتهيئة مناخ الأمن والأمان للمشاركين فيه، لأنه لا يمكن أن تتصالح مع من يتربص بك الدوائر، أو الذي يتحدث معك بمعسول الكلام ولكنه في حقيقة الأمر يسعى لطعنك من الخلف، كما لا يستقيم الحوار والرصاص يلعلع فوق الرؤوس.

وفي هذا السياق أؤكد على ضرورة التحرر من الهواجس والظنون، وأسوأ شيء أن يتقمصك هذا النوع من الهاجس وأنت تتعامل مع الآخر الذي كنت معه في صراع مرير.

الأنظمة المستبدة، خاصة الدكتاتوريات العسكرية والمدنية، لا تريد سماع الحقيقة لأنها تنقلها إلى مواجهة واقع صعب المراس، ولكن مواجهة الحقيقة هي خارطة الطريق الأساسية لتطهير هذا الأنظمة، وتحقيق المصالحة الوطنية.

3- الوصول إلى برنامج محدد وهذا البرنامج هو وثيقة الخلاص والإنقاذ للوطن التي على ضوئها يمكن وضع سفينة الوطن في مسارها الصحيح وانتشالها من الغرق.

أما من حيث البند الأول وهو وضع صيغة للتفاهم وهو الأمر المتعارف عليه في المفاوضات بمستوياتها المختلفة، وهو إطار التفاهم، وهذا يشمل شروط الحوار من حيث نوعية المتحاورين، وزمن التشاور ووضع الضوابط لإنجاح المصالحة الوطنية.

تحدثنا من قبل عن دبلوماسية المسارات، وقلت البداية تكون بالمسار الثالث، وهو اللقاءات العلمية، وورش العمل، والمنتديات المفتوحة، والحلقات النقاشية، والندوات، هذا مجال عمل الأكاديميين والمختصين وأهل الرأي.

أما من حيث البند الثاني يكون الحوار بين أبناء الوطن الواحد، فهذا يعني انتقاء العناصر النقية من أهل الرأي والخبرة، وبالنسبة إلى ممثلي النظام فيجب أن يكونوا من أعضاء الفاعليات الموثوقة والأكثر ميلاً للتصالح، وهذا جو يتطلب قدر كبير من التهدئة والبعد عن الخطاب التعبوي، والحديث الشعبوي والهياج والعدوانية.

أما من حيث البرنامج المتفق عليه لإخراج الوطن من أزمته وإنقاذه من وهدته فينبغي صياغة أجندة بحوار يتم في جو من الحرية والشفافية والمصداقية وحسن النية، على أن تشارك فيه كل الأطراف المعنية في ساحة الوطن بأكمله، ويكون المواطن العادي مطلعا عليه ومتابعاً له ومساهماً فيه عند الاقتضاء. تمليك الحقيقة والمعلومة الصحيحة للناس كل الناس مهم. (Access to information)

وأرى أن أجندة هذه الحوار يمكن أن تشمل ما يلي، على سبيل المثال لا الحصر، ويمكن أن تُضاف إليها ما يراه الناس نافعاً في هذا الصدد:

– ما هي طبيعة الدولة التي نرغب العيش في كنفها؟ طبيعة النظام السياسي، قومية الدولة، وتأثير كل ذلك في موضوع الوحدة والانفصال.

– هل هناك استعداد لفك ارتباط الدولة بالحزب وتحقيق قومية الدولة، وأنا لا أعني تشكيل حكومة تضم وزراء لأن هذا جزء من عملية الإصلاح، وإنما أنا أتحدث عن إصلاح جذري من “أسفل قاعدة الهرم إلى قمته” كما كان يردد أستاذ الأجيال الراحل الفاتح النور، صاحب جريدة “كردفان”، وحتى فترة حكم الأحزاب في العهود الديمقراطية لم تخلو من هذه النقيصة (نظام الغنائم).

– وضع الآليات الكفيلة بإزالة التهميش الاقتصادي، الاجتماعي، والثقافي.

– تعزيز الحكم اللامركزي، والإقليمي، وفك قبضة المركز وهيمنته على الولايات، بالذات في موضوع التمويل، والتنمية.

– تعزيز روح الانتماء الوطني، القائم على العدالة، والتوزيع العادل للثروة، والتكافؤ في الفرص، ومنع التمييز وإزالة المحسوبية بكل أشكالها، ومحاربة الفساد المالي والإداري والسياسي.

– إشاعة الحريات، وإلغاء القوانين والقيود المفروضة على الحريات العامة المنصوص عليها دستورياً.

– جبر الضرر، والتعويضات، وإزالة المظالم. (ملف الصالح العام مثلاً، إعادة الحقوق المصادرة وتعويض أصحابها عما أصابهم من ضرر مادي ومعنوي).

   آليات المصالحة

لجان الحقيقة والمصالحة.

بسط سيادة حكم القانون.

رابعاً: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: لجنة المكاشفة والحقيقة

إزالة الغبن الناجم عن إرث الانتهاكات والظلم.

تنص المادة (21 ) من الدستور الانتقالي على أن تبتدر الدولة حملة شاملة للمصالحة الوطنية، وعلى الرغم من عمومية هذا النص، ومن وروده ضمن المواد الموجهة لا الملزمة، إلا إننا نرى انه يمكن ان يتحول إلى أداة سياسية لتحقيق مصالحة وطنية معتبرة تتوفر فيها الشروط التاريخية لتحقيقها.

إن المصالحة الوطنية تقع في قلب التحولات الديمقراطية المطلوبة، لكنها لن تأتي الا نتيجة لسلسلة من العمليات والإجراءات الكفيلة بإبراء جراحات الماضي، في إطار العدالة الانتقالية . واتساقاً مع هذا المفهوم الحديث، إضافة إلى معالجة الآثار الجسدية والنفسية للانتهاكات، هناك ضرورة لتكوين لجنة وطنية للمكاشفة والحقيقة، بمعايير التجربة العالمية، بحيث يتوفر لها الاستقلال الإداري والمالي ، بما يمهد لمصالحة وطنية حقيقية مع الذاكرة الوطنية في المقام الأول، وكنا نتمنى لو تم إنشاء وزارة لحقوق الإنسان في السودان، مثلها مثل وزارة المساحة أو السياحة والآثار، (تجربة المغرب). أهم عمليات وإجراءات المصالحة:

1. تلقى الشكاوي عن أية مظالم، مهما بلغ عددها أو حجمها أو الزمن الذي انقضى منذ وقوعها والتحقيق فيها وتحديد مرتكبيها.

2. تنظيم جلسات عمومية مفتوحة للجمهور ولأجهزة الصحافة والإعلام، لتمكين الضحايا أو ذويهم من رواية ما حدث علناً، ولتمكين منتهكي هؤلاء الضحايا باختيارهم، من الإقرار علناً بالحقيقة والاعتذارعنها.

3. تخيير الضحايا بعد ذلك لا قبله بين العفو واللجوء للقضاء. (هناك جرائم لا تسقط بالتقادم كما يعرف المختصون بالقانون).

4. إصدار التوجيهات الملائمة والملزمة لتسوية ظلامات الضحايا بالتعويضات وإعادة التأهيل، فردياً وجماعياً، وتعويض من تضرروا صحياً بتوفير فرص العلاج وما قد يحتاجونه من أطراف صناعية أو ما إلى ذلك، وتسوية أوضاع المفصولين سياسياً بدعاوي الصالح العام، مدنيين وعسكريين، وكذلك تعويض من فاتتهم فرص تعليم أو إسكان أو غيرها من الخدمات.

5. إصدار التوجيهات الملزمة بنشر وقائع “المحاكمات الارتجالية والتعسفية (Arbitrary trials )، والكشف عن مدافن من تم إعدامهم تعسفاً ودفنهم من دون علم ذويهم، وتسليم وصاياهم ومتعلقاتهم لذويهم (حدث هذا في العراق والبوسنة والهرسك، وهما دولتان ومجتمعات خرجت من أتون صراع أو قهر تاريخي متجذر).

6. إصدار التوجيهات الملزمة بإشاعة ثقافة المكاشفة والحقيقة بكل الوسائط المقروءة والمسموعة والمرئية.

يعني باختصار إبراء جراحات الماضي عبر تسوية قائمة على الرضا والقبول.

مفهوم العدالة الانتقالية: (المرجع: منشورات المركز الدولي للعدالة الإنتقالية).

إن السعي إلي بلوغ العدالة الشاملة إثناء فترات الانتقال السياسي (الانتقال من الحرب إلي السلم/أومن الشمولية إلي الديمقراطية) أو ما يصطلح عليه بالعدالة الانتقالية كمجال يهتم بتنمية وتطوير مجموعة من الاستراتيجيات المتنوعة لمواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان  في الماضي، هدفه الوصول إلي مستقبل أكثر عدالة وديمقراطية. وتهدف العدالة الانتقالية إلي التعامل مع ميراث انتهاكات حقوق الإنسان بطرق ومناهج واسعة وشاملة تتضمن جبر الضرر، وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

مواجهة الماضي وأثرها في إرساء السلام وتعزيز التحول الديمقراطي:

ما من شك في أن مواجهة الماضي بشفافية وعلي هدي من مبادئ العدالة الانتقالية له كبير الأثر في إرساء السلام والسلم الاجتماعي، ودعم التعايش السلمي ،وتعزيز التحول الديمقراطي.. وإذا طرحنا علي أنفسنا سؤال فحواه لماذا يجب علينا مواجهة الماضي؟ نجد أن هناك الكثير من الدوافع والمبررات لمواجهة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، وتتمثل هذه المبررات في  ما يلي:

• تعزيز الديمقراطية وتقويتها: وذلك لاعتبار أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم علي خواء وتلفيق، وان مواجهة الماضي يمكن أن تؤدي إلي ديمقراطية أكثر قوة، وذلك من  خلال إرساء مبدأ المحاسبة.

• الواجب الأخلاقي في مواجهة الماضي: ويتمثل هذا الواجب في قيمة التذكر وفي قبول الضحايا والاعتراف بهم كضحايا، لأن التجاهل هنا يعتبر شكلاً من أشكال إعادة الإحساس بالظلم والإهانة، ولأنه من المستحيل تجاهل الماضي أو نسيانه لذلك فمن الأفضل إظهاره بطريقة بناءة وشفافة من خلال أشكال عديدة من بينها صيغة (لجنة المكاشفة والحقيقة)، ويمكن إذا تجاهلنا الماضي أن ينفجر في أي لحظة في شكل عنف جديد.

• لنمنع ذلك في المستقبل: وذلك لخلق نوع من الردع ، فالتذكر والمحاسبة هما وحدهما الكفيلان بالحيلولة دون ارتكاب انتهاكات في المستقبل.

مناهج العدالة الانتقالية وآلياتها:

تقوم العدالة لانتقالية – علي الأقل إلي الآن – علي خمسة مناهج أولية لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية، هي:-

1. المحاكمات :

 وتعتبر أول فئة كبيرة من آليات العدالة الانتقالية وبموجب القانون الدولي تلتزم كافة الدول بالتحقيق في جرائم حقوق الإنسان الماضية ومحاسبة المسئولين عنها وفرض عقوبات عليهم، المجتمع المدني ولجان تقصي الحقائق:

 يلعب المجتمع المدني المحلي /الوطني دوراً مهما في عمليات تقصي الحقائق وذلك من خلال التجارب التاريخية للشعوب ففي غواتيمالا مثلاً نجحت لجنة الحقيقة المكونة من فعاليات المجتمع المدني ومن ضحايا الانتهاكات أكثر من لجنة الحقيقة الرسمية. وذلك لكونها كانت أكثر مرونة واستجابة للحاجيات المجتمعية وحاجيات الضحايا وأقامت علاقات مباشرة مع الضحايا وكانوا أنفسهم جزءا   منها.

2. تعويض الضحايا وجبر الإضرار:

 في ظل الانتشار الواسع لانتهاكات حقوق الإنسان أصبح لزاماً علي الحكومات ليس فقط التصدي لمرتكبي الانتهاكات بل أيضا ضمان حقوق الضحايا وذلك عبر تهيئة الظروف الملائمة لصيانة كرامة الضحايا وتحقيق العدل بواسطة التعويض عن ما لحق بهم من أضرار ومعاناة ،وبالتأكيد هناك أشكال من الأضرار لا يمكن تعويضها ، لكن يشتمل مفهوم التعويض علي عدة معاني من بينها التعويض المباشر(عن الأضرار أو ضياع الفرص) ورد الاعتبار لمساندة الضحايا معنوياً ،والاسترجاع(استعادة ما فقد).ويمكن تمييز التعويض حسب نوعه إلي معنوي ومادي، يتضمن المادي منح أموال أو حوافز مادية،وتقديم خدمات مجانية (صحة،تعليم،إسكان….إلخ).أما التعويض المعنوي فيكون باستصدار اعتذار رسمي ، أو تكريس مكان عام أو يوم وطني للذكري. ويستهدف التعويض الانتهاكات الفردية والجماعية.. أما الأهداف المرجوة من التعويض فهي عديدة ومتنوعة من بينها الإقرار بفضل الضحايا جماعات وأفراد ، وترسيخ ذكري الانتهاكات في الذاكرة الجماعية الوطنية، وتشجيع التضامن الاجتماعي مع الضحايا ، وإعطاء رد ملموس علي مطالب رفع الظلم وتهيئة المناخ الملائم للمصالحة الوطنية عبر استرجاع ثقة الضحايا في الدولة ، بالإضافة إلي ذلك فإن مبدأ التعويض أصبح إلزامياً بموجب القانون الدولي، ويبقي ان نشير الي أن الهدف الأساسي لأي سياسة من سياسات التعويض هو إحقاق العدالة للضحايا..

3. الإصلاح المؤسسي والسياسات:

 وهو موضوع ذو صلة وثيقة بأهداف العدالة الانتقالية ويعتبر أحد الآليات  التي تحتاجها البلدان الخارجة للتو من قمع الديكتاتوريات، وتحتاج هذه البلدان إلي تبني إصلاحات  تشمل مؤسساتها وقوانينها وسياساتها بهدف تمكين البلاد من تحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية البعيدة المدى، التي تعتبر ضرورية لتفادي وقوع انهيار حضاري و/أو انتكاس الممارسة الديمقراطية الرشيدة في المستقبل. ففي فترات الصراعات عادة ما يتم تعليق معايير حقوق الإنسان وإفساد إجراءات العمل الاعتيادية وعقليات وقت السلم في العديد من مؤسسات الدولة إن لم تكن في مجملها .. وعندما ينتهي الصراع فإن إصلاح المؤسسات   بشكل عام يكون الهدف منه هو إزالة الشروط التي أدت إلي نشوء فترة النزاع أو القمع .. وهناك ثلاث سبل إلي الآن يمكن عبرها بلوغ غاية الإصلاح المؤسسي وهي:

• إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما يضمن قوميتها، ويعزز روح الانتماء الوطني، خاصة وأن الدولة التي نشأت عقب الاستقلال في السودان قامت على أساس تحيزات عرقية وثقافية مهدت للعنف والانتهاكات والقمع من طرف المجموعات المسيطرة على هياكلها على بقية التكوينات الخاضعة لسطوتها.

• تحقيق احترافية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والنظامية وضمان عدم تدخلها أو الزج بها في الحياة السياسية، أو استخدامها لقهر المواطن وإذلاله، وتكريس ثقافة احترام الدستور الذي أقسم أفرادها على حمايته.

• إزالة كافة أشكال التمييز العرقي أو الإثني أو الديني أو النوعي القديم العهد والمرتبط بفترة الانتهاكات.

• منع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من الاستمرار في الاستفادة من شغل مناصب في المؤسسات العمومية.

• دراسة ظاهرة التهميش وأوجه الاختلالات القومية في التنمية، وإزالة التحيزات في توزيع فرص التنمية بين مناطق البلاد وأقاليمها، على النحو الذي يعزز روح الانتماء القومي، ويغلق باب الصراعات.

• مراعاة أن تتماهى السياسات التي تضعها الدولة وأجهزة الحكم في مستوياتها كافة مع ضرورة تحقيق الاندماج القومي بين أطراف البلاد ومكوناتها.

• البدء فوراً وبدون أي تلكؤ في معالجة أوجه الخلل في بسط تكافؤ الفرص بين مواطني السودان كافة في تولي الوظائف العامة، وفي ممارسة مواطنيتهم (Citizenry) من حيث التمتع بالحقوق الأساسية التي كفلها الدستور والشرائع والقوانين الدولية.

• تكريس ثقافة المحافظة على حقوق الإنسان وإدراجها ضمن المناهج التربوية والقوانين القومية، ومأسستها بتكوين الأطر التنظيمية الكفيلة برعايتها ومعاقبة كل من يعتدي عليها، وعدم الحط من كرامة الإنسان بأي مبرر، مهما كان.

• أن يعهد بهذه الدراسة للجنة قومية بكل معنى الكلمة لديها تفويض معتبر لتقديم استراتيجية قابلة للتنفيذ ضمن إطار زمني محدد.

• وبما أن القطاع العام كان ولا يزال يعتبر الموجه والمحرك الأساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فلا بد من أن تنهض الدولة بواجباتها تجاه مواطنيها، وأن تستعيد دورها في توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية لمواطنيها كافة من دون تحيز أو تمييز لمنطقة على أخرى.

• وضع السياسات الناجعة لتخفيف وطأة الفقر في أوساط الطبقات المحرومة والضعيفة، والعمل على استحداث سياسة المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتمكين الشرائح الفقيرة، وتوفير سبل العيش الكريمة لها.

• تجفيف منابع التطرف والكراهية والتنميط الثقافي، والتدخل الفاعل من قبل الدولة التي يجب أن تضطلع بدورها في هذا المجال بالشراكة الفاعلة مع مؤسسات المجتمع المدني والأهلي، واستنهاض التفاعل الشعبي المؤثر في هذا المجال.

• تحقيق قومية وسائل الإعلام ووضع المعالجات التنفيذية لذلك (على سبيل المثال تخصيص فترات بث يومية في الإذاعة والتلفاز، تراعي تمثيل التنوع العرقي والثقافي في البلاد)، وكفالة حرية التعبير في حدود القانون، وإزالة القوانين التعسفية المقيدة لحرية الرأي والتعبير.

• إقامة المهرجانات الثقافية القومية التي تسهل التفاعل بين كل أجزاء الوطن وتكويناته القبلية والعرقية والثقافية المتنوعة.

• استكمال جهد الدولة في ربط أجزاء الوطن عبر شبكة مواصلات واتصالات شاملة لتسهيل التنقل الحر للمواطنين عبر الأقاليم والمناطق المختلفة.

• تجنب اتخاذ أي إجراءات إدارية أو تنفيذية تثير النزاعات، مثل التوطين القسري وفرض واقع ديمغرافي، أو تكوين محليات وغيرها من الأساليب التعسفية التي تؤدي إلى تغيير مجحف في الحواكير والأراضي، وتحدث خللا كبيراً في التركيبة السكنية في البلدات والمدن والقرى يكون باباً لصراعات جديدة.

• إيلاء أولوية خاصة للمناطق المهمشة المنتجة للثروات القومية (كالنفط والمعادن ومنتجات الصادر القومية)، ومراعاة تحقيق استفادة هذه المناطق من ريع تلك الثروات بما يضمن التنمية المتكافئة والارتقاء بحياة المواطنين فيها.

4. إقامة النُصُب التذكارية وإحياء الذاكرة الوطنية الجماعية:

 ويتم إحياء الذكري عن طريق أي حدث أو واقعة، أو بناء يستخدم بمثابة آلية للتذكر..ويمكن أن يتم إحياء الذكري بشكل رسمي عن طريق الدولة بإقامة النُصُب التذكارية وغيرها ، أو بشكل غير رسمي بتلقائية وعفوية من الأهالي كبناء جدارية  أوزراعة أشجار أو تشييد مظلة أو أي شكل للتذكر. ويسعي الناس إلي إحياء ذكري أحداث الماضي لأسباب عديدة منها الرغبة في استحضار ذكري الضحايا و/أو التعرف عليهم وعلي المظالم والانتهاكات التي  وقعت عليهم  وتعريف الناس بماضيهم ، أوزيادة  وعي المجتمع ، أو دعم أوتعديل رواية تاريخية ،أوتشجيع تبني الاحتفال بالذكري الذي يدعم عملية العدالة الانتقالية من طرف مستوي محلي. ويمثل فهم احتياجات الضحايا وعائلاتهم والناجين من الفظاعات الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان الصارخة أحد العناصر الرئيسية في عملية العدالة الانتقالية ..إن تذكر الماضي يتيح نوعاً من تكريم الضحايا وأؤلئك الذين ماتوا، كما إن آليات التذكر يمكن أن تساهم في بلوغ أهداف أخري للعدالة الانتقالية بما ذلك تقصي الحقيقة، وضمان عدم تكرار ما تم من انتهاكات مستقبلاً ،وتحفيز الحوار والنقاش حول الماضي، ووضع سجل تاريخي مناسب ،ومتابعة الأهداف المرتبطة بجبر أضرار الضحايا.ويمكن أن تكون النُصُب التذكارية كجبر رمزي للأضرار أو بمثابة تعويض معنوي للضحايا هذا بجانب دورها الحضاري الهام  الذي يمكن أن يكون مكملاً ،لكن مختلفاً للغاية، عن الإجراءات الجنائية والقانونية المعقدة وإجراءات المحاكمات.

المسؤوليات

الأكاديميين وأهل الخبرة، زعماء الإدارة الأهلية، لجان الجودية، أئمة المساجد ورجال الدين المسيحي، منظمات المجتمع المدني والأهلي، اعيان البلاد وحكمائها ورموزها في كل المجالات، الأجهزة النظامية، منسوبو دور العلم من جامعات ومعاهد ومدارس وغيرها، وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، الفنون بأشكالها المختلفة (الغناء، التشكيل، المسرح إلخ)، النشاط الرياضي، وكل هذا بمشاركة الدولة وتمويلها ورعايتها.

قضايا أخرى مهمة:

التنشئة ودورها في خلق الفرد المتسامح والمتصالح مع الآخر.

إحقاق الحقوق الفطرية وعدم التمييز وازالة التحيزات الحزبية والجهوية وغيرها التي تقف عائقا أمام تحقيق المساواة.

هل السودانيون عنصريون؟ ضد بعضهم، استيعابهم للشعوب والعرقيات التي جاءتهم مهاجرة ماذا يمثل في هذا السياق؟، ما هي الأدوات والآليات الأخرى التي تخلق مجتمعاً خاليا من التمييز العنصري القبلي أو العرقي أو الديني، عنصرية اللون، المناطقية إلخ وبالتالي تؤسس لدولة المصالحة، المناهج التربوية والتربية والتثقيف الجماهيري بوسائط مختلفة (فن غناء، مسرح، وغيرها من الوسائط سهلة الوصول للناس العاديين).

وختاما نرى ضرورة فتح نقاش متجرد وموضوعي وصريح حول الموضوعات المطروحة أعلاه، واستنباط نماذج مُلهمة لتعزيز روح التعايش السلمي بين الأعراق والقبائل والأديان في السودان، وتحقيق التعافي والسلم الاجتماعي، والاستفادة من إيجابيات الماضي وسلبياته في هذا الخصوص.

والله من وراء القصد.

مصادر البحث:

1. منشورات المركز الدولي للعدالة الإنتقالية.

2. تقارير حقوق الإنسان في السودان 1985 – 2010.

3. الدكتور/حامد البشير إبراهيم، مقالات من كتابه: “التهميش في السودان، مرافعة لصالح الحقيقة والعدالة والوحدة”، الخرطوم، أغسطس 2007.

fakhour@gmail.com