سبتمبر 26, 2021 @ 2:04

abdullahaliabdullah1424@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد مرور عامين علي مهزلة حكومات حمدوك المتعددة، التي كان قاسمها المشترك حمدوك والفشل بوصفهما وجهان لذات العملة. تأكد لكل من القي السمع وهو شهيد ان وجود حمدوك في هذا المقام والتوقيت كان خاطئا. وترتب علي ذلك مآسٍ كثيرة تكاد تعيد تجربة المأفون البشير ورهطه الفاسدين، سواء من ناحية الفشل والاصرار علي اعادة انتاجه، او من ناحية التهرب من تحمل مسؤولية الفشل والاخطاء. وهذا في الحقيقة نهج كل مستبد او في طور الاستبداد، بحيث يستميت في التمسك بالسلطة، وشعاره الاثير ما كنت لاخلع رداء سربلنيه الله.
وطالما هنالك فشل واخطاء طوال الفترة الماضية، وكان عاملها المشترك حمدوك، فابسط المطلوبات هي ذهابه، حتي يمكن تلافي اعادة انتاج ذات الاخطاء باساليب مغايرة. اما ان يصبح ذات الفاشل مبادر وطارح للمخارج، فهذه مسخرة تليق بمسرح اللامعقول، قبل ان تعبر عن معضلة الثقافة (العاطفة) السودانية، التي لا تؤمن بيوم الحساب (المحاسبة)، ومن ثمَّ تتعامل مع السياسات والقيادات والعقائد والعرقيات..الخ علي طريقة هلال مريخ.
من هذه الزاوية، يصبح اسوأ ما في مبادرة حمدوك ان طارحها هو ذات الحمدوك. لان المبادرة والحالة هذه، تفصح عن محاولة لحل ازمة حمدوك المتجسدة في فشل قيامه بمهامه وانجاز المطلوب منه. وهو ما كان يستتبع تقديمه لاستقالته، وقبلها اعتذاره لافساح المجال لمن هو اقدر منه، او اقلاه الابتعاد عما يعجز عن اداءه كما يتطلب الاتساق مع الذات، كسمة تطبع الصادقين. ولكن للاسف حمدوك ليس قائد فاشل واداري ضعيف ومهزوز فحسب، ولكنه يلتف علي حقيقة فشله وعجزه، من خلال الاستهانة بمصير دولة والاستهتار بمعاناة شعب، كل ذنبه انه وثق فيه.
وعموما، طالما حمدوك جزء من المشكلة الماثلة، او له نصيب مقدر فيها، فلن يكون في وجوده بارقة امل لاي حل، ناهيك ان يقدم مبادرات او وعود مجانية استمرأ منحها دون كابح. والدليل عندما استلم حمدوك السلطة، كانت امامه مهام محددة بنص الوثيقة الدستورية (رحمها الله)! اما الآن وبعد مرور عامين من ادارته الفاشلة وخياراته الكارثية، اصبحت سلامة الدولة نفسها موضع شك، ووصلت احوال المعيشة لغالبية السكان تحت خط الضنك، وما زاد الطين بلة انفلات امني وانتشار للسلاح والقوات مجهولة النسب والانتماء، وصولا لانحسار كل امل في الخروج من هذا النفق المظلم، الذي يزداد حلكة مع مرور الايام. اي ما تحتاجه البلاد عاجلا هو تصحيح اخطاء وفشل وتقصير وتواطؤ حمدوك وحكوماته طوال الفترة الماضية.
علما بان المطلوب من حمدوك ومنذ وقت مبكر، ليس تقديم المبادرات، ولكن امر في غاية البساطة والاستحقاق، وهو الاستماع للناصحين من مناصري الثورة، والاستجابة لنداءات ومطالب ومسيرات الثوار، والتوافر علي رؤية واضحة للتعاطي مع اوضاع ما بعد الثورة، و وقبل كل شئ الالتزام بنصوص الوثيقة الدستورية، كمقدمة او بروفة لدولة القانون والمؤسسات المطلوبة. ولكن ما فعله حمدوك هو الاستعصام ببرجه العاجي مع مجموعة مستشاريه، الذين هم اقرب للاصدقاء واللطفاء منهم للخبراء العالمين بواقع البلاد ومتطلبات الانتقال. وبعد خراب مالطة سارع حمدوك كالطفل المدلل، وهو يتذلل ويتباكي علي البلاد وما تتعرض له من مخاطر كان طرفا اصيل فيها! وذلك من اجل استجداء التاييد والالتفاف حوله، بعد ما اضاعه من يده عندما كان في حوزته مجانا. والاغرب هو بنفسه من استغشي ثيابه ورفض كل من حاول مساعدته لانقاذه من شلة مستشاريه واخطاءه البديهية واضاعته للفرص، ليس حبا فيه ولكن شفقة علي الثورة وحرصا علي تضحيات الثوار. ولذا هذه النسخة الجديدة من حمدوك لن تجد من يشتريها إلا الغافلون واصحاب المصالح، والسبب ان امكانات ومقدرات حمدوك الحقيقية اصبحت مكشوفة للكل، بمن فيهم من يعشم في العطاء من فاقده.
والسؤال الذي يفرض نفسه حول مبادرة حمدوك بمحاورها العديدة التي تكاد تغطي كل شئ، ما هو تصور حمدوك لمشاكل البلاد، وما يفترضه من حلول ومعالجات، عندما استلم السلطة او الاصح دفعته لاستلام السلطة؟ او بمعني آخر، لماذا استلم حمدوك السلطة من الاساس، اذا كان وبعد مرور عامين من تربعه علي سدة السلطة، يطالب بوضع مشروع او خارطة طريق يدعو فيها لمساهمة الجميع دون فرز؟ فكيف يمكن التوصل لنقاط مشتركة في هذه الفترة الزمنية الوجيزة، لكل هذه المروحة من القضايا والمحاور وفرص المشاركات؟ في حين كان متاح لحمدوك الاستعانة باختصاصيين في كل مجال، تتوافر فيهم الخبرات والالمام بمشاكل البلاد بحكم اتصالهم بها (اصحاب الوجعة من المناضلين والمعارضين والمهتمين بالشان العام واصحاب المواقف الواضحة من الثورة)، او اقلاه الاستفادة مما يتوافر لديه من دراسات ومشاريع بدورها طاولت كل شئ ولا ينقصها سوي الارادة السياسية كما المح الي ذلك دكتور وجدي كامل. لوضع معالجات اسعافية اولا، ومن ثمِّ الاسس السياسية والدستورية لتاسيس بنية تحتية مدنية راسخة، لما بعد فترة الانتقال، تساعد علي النهوض بالبلاد من كبوتها، التي طالت واستطالت بسبب سوء الادارة والفساد، كافراز طبيعي لتابيد حالة الاستبداد. اما دور حمدوك فهو التنسيق والاشراف علي كل هذه الجهود، وتذليل الصعاب امام انفاذ توصياتها. ولكن الغرض من المبادرة كما يبدو هو الحصول علي اكبر قدر من الدعم والتاييد لحمدوك، بعد انفضاض معظم الثوار وداعمي الثورة من حوله. والاهم تحميل الجميع مسؤولية الفشل اذا ما حدث، علي ان يحسب له النجاح اذا ما قدر له الحدوث.
وكما سلف ما كان يحتاجه حمدوك منذ ضربة البداية رؤية موضوعية، ومجموعة مؤهلة وثورية محيطة به، وفتح قنوات التواصل مع القاعدة الثورية التي تدعمه، وكان لها فضل وجوده في هذا المنصب بما انجزته من ثورة. وليس اتفاقات من خلف الكواليس من وراء ظهرها، مع جهات ومجموعات تتضارب مصالحها مع مصالح الثوار وشعارات الثورة، وهي للاسف ما دوام حمدوك علي الوفاء لها! اي موقف حمدوك البارد من الثوار، والمتخاذل من شعارات الثورة، لم يكن وليد الصدفة او نتيجة لصعوبة التحديات، ولكنه اولا، ينسجم مع قناعاته ومواقفه غير الثورية. وثانيا، الاستجابة لمخططات تجهد من اجل استبقاء الحال كما هو عليه، مع اضفاء مسحة مقبولية خارجية وهامش حريات محلية. وهذه المواقف الرمادية المائعة، اجبرت حمدوك علي الظهور بمظهر من يحاول ارضاء كل الاطراف، وبما فيها الاكثر تناقض! مع اظهار مزيد من التذلل للاطراف ذات الشوكة كلجنة البشير الامنية والحركات المسلحة، وكذلك استرضاء المجتمع الدولي، ومجاملة القوي ذات النفوذ في تحالف قوي الحرية والتغيير، والتحدث بلسان الثورة المعسول امام الثوار، وكل ذلك علي حساب شعارات الثورة وما اتفق عليه في الوثيقة الدستورية.
والاسوأ من كل هذه الوقائع السيئة، ان حمدوك كان يملك تصور مسبق لادارة البلاد، ولكنه للاسف لا ينطلق من مرجعية داخلية تستصحب فرص الداخل وتواجه تحدياته، ولكنها مرجعية تستمد توجهاتها من الخارج، غض النظر عن استعلاء هكذا مرجعية، تحتوشها اوهام وغرور نظرية عبء الرجل الابيض ولكن بياقات افندية سمر هذه المرة. اي كونها آتية من الخارج المتقدم، وعلي ايد قيادات محلية متماهية معه، بسبب صناعتها في مختبراته، فهي حتما صالحة لكل مجتمع وقضية! وكأن المجتمع معلق في الفراغ وقضاياه مزيفة! بمعني هنالك فارق بين الاستفادة من مناهج وادوات علمية وادارية متقدمة، وبين مصادرة حاجات وقضايا مجتمعات معقدة، تستحق بذل الجهد للوصول لمقاربات تلبي تطلعاتها وتقضي حوائجها بالموضوعية والانصاف.
المهم، التشبع باوهام امتلاك الخبرة الاممية، كافضل ما توصلت له التجربة الانسانية، دفعت حمدوك طوال الفترة الماضية، للاعتقاد بامتلاك الحكمة وفصل الخطاب، الشئ الذي قاده للاستفراد بما يملكه من سعة اتخاذ القرارات، ولكن مع تجنب الاصطدام بلجنة البشير الامنية، بل والسماح لها بتجاوز سلطاته وتهميشه واهانته عديد المرات! لان ما يهم حمدوك فقط، هو عدم الاعتراض علي اجندته الخاصة، او التشويش عليها، بما يعطل مسارها قبل انجاز هدفه.
والغريبة ان حمدوك الذي يتقدم بمبادرته الآن، ويوسط لها آلية كاحتياط مسبق للفشل، رفض من قبل كل مقررات المؤتمر الاقتصادي، الذي ماطل في انعقاده بتسويفات متعمدة، وحتي انعقاده شابه الترهل حتي لا يصل لقرارات محددة وملزمة. والمفاجأة وبعد انقضاء سامره، اتضح ان الغرض من قيامه لم يعنِ لحمدوك اكثر من الحصول علي التفاف لتمرير اجندته الاقتصادية (روشتة البنك الدولي) المتبناة سلفا، غض النظر عن تعارضها مع اهم مقررات واجندة المؤتمر الاقتصادي، والتي للغرابة ايضا تضمنت رؤية فصيل اساس في الثورة، كل مشكلته انه ينطلق من رؤية داخلية ويتبني اجندة ملتصقة بواقع الداخل. بمعني، كان هنالك نهجان متاحان، نهج اقتصادي يحابي الراسمالية الطفيلية ويخدم مخططات الخارج، وهما علي كل حال تتقاطع مصالحهما. ونهج يراعي مصالح الغالبية المحرومة من ابسط الحقوق الاقتصادية، ولكنه بصورة او اخري يقف حجر عثرة امام مطامح طفيلية الداخل واطماع ومخططات الخارج! ولسوء الحظ حمدوك لم يختَر النهج الاول فقط، ولكن كل الشواهد تشير الي ان وجوده في هذا المنصب، هو جزء من صفقة يقوم فيها بانفاذ هذا الخيار! وقد يكون هذا سبب الغموض المحيط باختياره، وكذلك الاصرار علي استبقاء شلة مستشارين ومساعدين لا يصدف انهم اكثر حماس منه لهذا الخيار!
وباستصحاب كل ذلك، اذا افترضنا جدلا ان المبادرة نجحت في استقطاب خيرة خبراء البلاد في كل تخصص، وخرجت بتوصيات نموذجية راعت الاولويات، ووضعت الحصان امام العربة. اي باختصار ملكت حمدوك خارطة طريق تخرجنا من هذا النفق الذي ادخلنا فيه، ما هو الضامن ان حمدوك يملك الارادة لتبنيها، والمصداقية للوفاء بتعهداته، ولم يتخذها مجرد وسيلة تمويه، لتمرير اهداف تخصه وحده، وتخدم اجندة داعميه داخليا وخارجيا، ويبحث لها فقط عن دعم مجتمعي عريض! اي ما المانع من التشكيك (يعززه غياب الشفافية) ان الغاية من المبادرة صنع اصطفاف مزيف، استنادا علي الالتفاف علي مقررات واهداف المبادرة النموذجية المطروحة. وهو ما يسهل الهروب من تحمل مسؤولية خياراته واطماعه، اذا اتت الرياح بما لا تشتهي سفن اهدافه، وذلك بتفريق دمها علي كافة المشاركين. وهذه درجة من المرواغة تفوق سوء الظن العريض كعهدنا بالاسلامويين.
لذلك المسألة بكل وضوح لا تتعلق بمشاكل البلاد، بقدر ما تتصل بمن يتصدي لها. فهل هو مؤهل للقيام بذلك؟ وقبلها هل هو مؤمن بحقوق المواطنين في امتلاك بلادهم وتحديد مصيرهم بكل حرية وكرامة؟ ام المسالة مرتبطة بالتمسك بالسلطة كاقصر وسيلة لاحتكار الامتيازات والتحكم في خيارات الآخرين؟ اي المسألة تدور حول هل نحن متساوون في هذه البلاد، ام بعضنا اكثر مساواة كما عبر ساخرا جورج اورويل؟
من هذه الوجهة، حمدوك كغيره من رجال السلطة الذين ابتلينا بهم في هذه البلاد، فهو يسعي للبقاء علي سدتها، ومن اجل ذلك يوظف كل هو متاح له، غض النظر عن عواقب هكذا تصرفات، لا يصدف ان بعضها يكتنفه التهور وقصور النظر، وما يجره ذلك علي البلاد من مخاطر! اي حمدوك شأنه شأن من (يفلق) وتستعصي عليه المداواة! لان ما تعانيه البلاد راهنا، يرجع جزء اساس منه لخيارات حمدوك، سواء في جانب المعاناة الاقتصادية التي تجاوزت كل الحدود، او التردي الامني او الفتن القبلية او الانحطاط العام.
فمن ناحية الجانب الاقتصادي، اصر حمدوك علي تبني روشتات البنك الدولي كخيار سبق تجريبه، ولم يكن بحجم الطموحات، مما يؤكد عدم ملاءمته لاوضاع تشابه حالتنا الاقتصادية الراهنة، بل الاسوأ انه خلف عواقب كارثية. اي خلف اوضاع اقتصادية اقرب للفوضي منها لوجهة اقتصادية معينة! اما الخبر السيئ فهو تطبيق هذه الروشتات من دون استصحاب احتياطات الامان المرافقة لها! وعندما اتي اوان المحاسبة السياسية والمجتمعية علي هذه الخيارات، بانفضاض الغالبية من حول حمدوك والسخط عليه! لجأ لخيار المبادرة، كوسيلة لتوزيع المسؤوليات كما سبق ذكره، بدل ان يتحمل نتيجة خياراته كما يليق بالقادة الشجعان.
وكذلك الجانب الامني المتردي، رغم ان اللجنة الامنية تتحمل العبء الاكبر من المسؤولية، إلا ان ذلك لا يمنع ان جزء اساس منها يرجع لتدهور الاوضاع الاقتصادية والخدمية، كجزء من حالة التدهور العام، وتغافل حكومة حمدوك عن وضع المعالجات، لافتقارها للخبرة الادارية من ناحية، ولجوءها لنفس اساليب عمل منظومة الانقاذ من ناحية، وتضارب اختصاصات الشركاء، وتنازعهم علي اقتسام الدولة بمؤسساتها واجهزتها من ناحية. اما ما يخص الفتن القبلية والمناطقية، فيرجع جزء كبير منها للطريقة التي تمت بها اتفاقية السلام، وتركيزها علي ارضاء قادة الحركات المسلحة، بحصر الاتفاقية في المحاصصات وتقاسم الامتيازات، بما فيها وظائف الدولة ذات الطابع الحيادي! والاسوأ من ذلك، الركون لابتزازات تهدر حقوق جهات ومناطق اخري! مما تسبب في تاجيج مشاعر معادية ليس لقادة الحركات الذين اظهرو وجه عدائي يفيض مرارة وغبن، ورغبة محمومة في التشبث بالسلطة، ولكن طال ذلك اهل الهامش بقضاياهم ومطالبهم الموضوعية، كافراز للتعميم المخل الذي يصاحب الاحكام العاطفية (التفكير بالمشاعر)! وهذا ما تسبب بدوره في حالة ارتدادية للمناطقية وعودة العمد والادارات الاهلية الي واجهة المشهد، حتي في قلب المدن التي ظن اهلها انهم تجاوزوها. اي باختصار ما قامت به حكومة الفترة الانتقالية بكافة اطيافها، هو تقاسم ميراث الانقاذ، وكل ينال حصته حسب موازين القوي.
اما مصدر اللوم لحمدوك فينبع من كونه شكل امل للثورة وعشم كبير في احداث تغيير جذري، يقطع مع الممارسة السياسية الدعائية الشعاراتية، واحيانا الانتهازية، التي تكرست منذ الاستقلال! خصوصا وهو ياتي اليها من خارج وسطها. ولكن للاسف ما فعله حمدوك هو البدء من حيث انتهي الآخرون، علي ذات نهج وممارسة الرداءة السياسية، ولكن بادوات اكثر فقرا وخبرة تحاكي العدم. اي اعادة انتاج البؤس السياسي من خلال المطابقة بين السياسة والسلطة، والمقصود السياسة في اضيق معانيها (السلطة كغاية) والسلطة في اسوأ تجلياتها (الاستبداد بها).
لكل ذلك اكبر خدمة يقدمها حمدوك للثورة والبلاد هي خروجه من المشهد غير ماسوف عليه. وهذا لا يعني ان خروجه يشكل حل سحري لكافة المشاكل والازمات، ولكن ما يعنيه ان خروجه يمنح امل جديد، ومسارب خلاص من جيوش اليأس والاكتئاب التي خيمت علي البلاد ونفوس الشباب اصحاب الجلد والراس في الثورة النبيلة. والاهم ان هكذا مسلك اذا قدر له ان يتم (رغم الشكوك) قد يؤسس لترسيخ ادب الاستقالة عند العجز او الفشل او المطالبة الجماهيرية. ولو ان ذلك تاخر كثيرا، ولكن ان ياتي متاخرا، خير من ان لا ياتي ابدا، كما هو متوقع.
اما جماعة شكر حمدوك فيبدو ان السبب الذي يجعلهم يتمسكون به رغم فشله، يرجع الي حالة من الاصرار العنيد، مدفوع بقتامة البدائل من وجهة مخاوفهم، او نوع من التعلق المرضي بامل كاذب، كوسيلة هروب من مواجهة الحقائق المحبطة.
اما تعليق الفشل علي لجنة البشير الامنية والدولة العميقة، فهذه نوعية من مبررات الحق التي يراد بها الاعفاء من المسؤولية، لانه في الاساس جزء من مهام حمدوك وحكومته الاساسية، هي السيطرة علي العسكر او اقلاه تحييدهم، عبر الحنكة السياسية والادوات الجماهيرية! وكذلك البطش بالكيزان جزاءً علي ما اقترفوه من مآسٍ يندي لها الجبين. وتاليا التعلل بهذين المبررين، يشكل دليل ادانة واعتراف بالفشل، الذي يستوجب ليس الاستقالة، بل الطرد من المنصب شر طردة. والحال ان الشواهد تدلل علي تواطؤ حمدوك مع العسكر والحركات المسلحة، ومد حبال الود والتواصل مع الراسمالية المسيطرة علي مفاتيح الاقتصاد داخل الدولة، سواء كانت في صورة افراد او هيئات ومؤسسات ومصارف وشركات.
وباختصار حمدوك يلعب علي كل الحبال كبهلوان يحاول الوصول لمبتغاه، وذلك بتصنع التحضر واحيانا الصمت المريب وغالبا الصهينة، وكانه يحكم دولة اخري غير التي نعرفها. والحال كذلك، المبادرة ما هي الا جزء من استراتيجية حمدوك لاستغلال قوي الحرية والتغيير ومغازلة قوي الثورة واللعب علي وتر المخاطر المحيطة بالدولة، وكانه برئ من كل هذه الكوارث! ولذلك حمدوك اكثر ما ينطبق عليه وصف (بندق بحر) وما مبادراته ومشاريعه واطروحاته الا صدي لطلاقات بندقه الفشنك.
واخيرا
حمدوك الخيار الوحيد المتاح امامك هو الاستجابة لنداء ود الدابي (فك الدفة وادها غيرك) وإلا اصابك ما اصاب البشير بعد استهانته بهكذا نداء. وكنا قد طرحنا في مادة سابقة ياسر عرمان كبديل عن حمدوك، ولكن بعد انخراط عرمان في ركب حمدوك، وقبلها زياراته المكوكية للامارات ودغمسته للدعم السريع والعسكر، تصبح العلاقة بين حمدوك وعرمان علاقة شبهينا واتلاقينا. ونعف عن وصف عرمان بالتعيس او خائب الرجاء، لصدق لمسناه فيه علي ايام النضال ضد النظام المقبور. ودمتم في رعاية الله.