سبتمبر 26, 2021 @ 1:51

(1)

درجت “مكتبة مدبولي” المصرية الشهيرة على إقامة معارض للكتاب بالعاصمة السودانية الخرطوم في تسعينيات القرن الماضي، وقد كنت من رواد تلك المعارض كلما أعلن عن قيامها.
وفي شهر يناير عام 1997، وفي أثناء جولتي داخل أحد تلك المعارض، لفت نظري كتاب بعنوان “حروب دولة الرسول” لكاتب لم أقرأ له من قبل، هو الدكتور سيد محمود القمني.
ما أثار انتباهي وأنا أقلب صفحات الكتاب قبل اقتنائه ما تبدى لي من منهج مختلف في تناول تلك الحروب بالتركيز على قراءة وتحليل الواقع الاجتماعي والسياق التاريخي الذي نشبت فيه، مما يضيء جوانباً معتمة وغير مطروقة في هذا الإطار، وبعد إكمال قراءة الكتاب بدأت في رحلة البحث عن كل كتب الرجل.
وفي سبتمبر 1998 أتيحت لي فرصة لقاء الدكتور القمني بشقته الكائنة بمدينة الرماية في ضاحية الهرم بالعاصمة المصرية، ولم أشأ أن ألتقيه دون أن أخرج منه بحوار يتناول بعض القضايا الفكرية التي مازالت تشغلني وتمثل محور اهتماماتي في القراءة والكتابة بعد مرور حوالي ربع قرن من ذلك الحوار.

بدأت الحوار بطرح السؤال التالي: هل يمكننا النظر للصراع بين التيار العلماني وتيار الإسلام السياسي، الذي هو امتداد طبيعي للصراع الذي نشأ قبل وقت طويل، ومثّل أحد أطرافه في مرحلة تاريخية الشيخ علي عبد الرازق مع الأزهر ثم الأستاذ سيد قطب وسلامة موسى في مرحلة لاحقة، وأخيرا نصر أبوزيد وعبد الصبور شاهين، كصراع ذي خصوصية مصرية لا يمكن تعميمه على كافة الأقطار العربية؟
وجاءت الإجابة من الدكتور القمني على النحو الآتي:
أنا لي رأي خاص في هذا الموضوع قد يستفز حتى بعض المستنيرين العرب. منذ الفتح العربي لبلاد الحضارات تمت التعمية والتغطية على تراث البلاد المفتوحة، حتى صرنا نعتقد أن ثقافتنا بدأت في الحجاز زمن الدعوة الإسلامية ومع عمرو بن العاص والصحابة الآخرين الذين فتحوا تلك البلاد.
بعد الفتح العربي تم تسييد الثقافة العربية وحدها رغم أن للعراق على سبيل المثال امتداده الحضاري العريق، وكذلك لبلاد الشام وفلسطين وكذلك السودان ومصر، وقد تم قطع الذاكرة التاريخية لتلك البلاد حتى يصبح التاريخ العربي تاريخا مقدسا ولكي يتم تثبيت هذه الرؤية كان لا بد من استبعاد السابق وتكفيره، وتم هذا بهاجس الخوف على الأمة من الفتنة فقبلنا سيادة الأمة وسيادة سلاطين الأمة وكثيرا من القمع والظلم والاضطهاد علي حساب الفرد وحقوقه خشية ما سُمى بالشعوبية والخطر الشعوبي وذلك علي الرغم من أنه كان بالإمكان، بل من العلمية، أن يكون هذا التوحد في إطار التعدد.
النموذج الماثل أمامنا في عالم اليوم هو أميركا التي هي بوتقة لمختلف الأجناس والأديان واللغات كلها تنصهر ولا يبقى بعد ذلك غير ماذا تعطي لأميركا كي تعطيك “قانون المنفعة.”
هذا هو درس الإمبراطورية العربية في أوج قوتها وتفوقها، “عصر المأمون” كان عصر ازدهار وتطور. أنا أعتقد أن هذه هي المقدمات الصحيحة للصراع الذي تتحدث عنه في سؤالك، هو صراع مستبطن مكبوت بهاجس الحفاظ على وحدة الأمة وقد كان عصر النهضة أول رد فعل وطني ضد فكرة الأمة السيدة على اختيار الفرد. هذه الآراء تثير ضدي الكثير من المشاكل خاصة من الناصريين الذين هم في رأيي مجرد فاشيين.
في إطار تجربة النهضة التي بدأها محمد علي باشا، التي كانت تجربة محورها المواطن، وقد عزز هذا الاتجاه بروز جيل من مفكري النهضة مثل الطهطاوي، وفي رأيي أن الناصرية هي التي أجهضت مشروع النهضة هذا بتبنيها فكرة البطل الملهم.
هذه المعركة التي تسأل عنها هي في جوهرها صراع بين الفاشي والوطني وأهم الفروق بين الاثنين تتجسد في التالي: أولا: الوطني يطلب دولة مدنية للجميع، والفاشي يطلب دولة طائفية. ثانيا: الفاشي يطلب سيادة رأي واحد على بقية الآراء والوطني يفتح النوافذ لكل الآراء. ثالثا: الفاشي يفرض رأيه بالحديد والنار والوطني يفتح صدره للسؤال وللآخر ويعتبر الآخر مكملا له. رابعا: الفاشي يعجز عن المواجهة بالحجة والكلمة فيلجأ للتكفير والقتل، والوطني سلاحه التنوير والكلمة.
سؤالي الثاني للدكتور القمني كان: أهل الإسلام السياسي يعتبرون أن العالم الإسلامي يشهد صحوة كبرى تحتشد فيها الجماهير المسلمة وتتوجه لحسم معركة حضارية، وهي في وجهة نظرهم صحوة باتجاه التاريخ وليست ضده.. ما هو تعليقكم؟
وجاءت إجابته كالتالي:
نحن جربنا الفاشية طوال العقود السوالف ولم يعد بإمكاننا أن نستمر في التجربة، لا على مستوي الوطن ولا العالم ولا الزمن.
نحن تجاهلنا حركة الواقع ورفضنا التكيّف فتجاهلنا هذا الواقع وكانت النتيجة أن أصبحنا عبارة عن “حفرية حية” بينما أصبح العالم في مرحلة “السوبر هومو.”
ثم ثانيا هل من علامات الصحوة هذه ما حدث في الجزائر مثلا؟ وهل هي ليست قوية لتلجأ للعنف كما في مصر؟ وهل الصحوة تعني إعادة المرأة للمحبس البيتي وحرمانها من التعليم كما فعلت طالبان في أفغانستان؟ ثم ماذا حققت هذه الصحوة؟ هل أفرزت عِلماً أو حريات أو تقانة أو إسلاما قويا لا يخشى على نفسه من المُخالف بل يحاوره ويناقشه؟ أم أفرزت إسلاما مرعوباً يلجأ للطلقة لإسكات الآخر.
وهل أفرزت الصحوة جماهير واعدة بإقامة أمة قوية؟ لقد وعى ذلك المصري القديم فقال إن “العدد في الليمون”، كناية عن أن لا جدوى من الكثرة بلا محتوى أو مضمون.
هذه الجماهير تم تسليحها وتمكينها من العتاد والصاروخ والدبابة في العراق، ومع أول دقيقة من بدء ضرب ذلك البلد انقطعت اتصالات الجندي بقواده ولو رحل المعتدون لاحتاج هذا الجندي لعدة شهور ليعرف ماذا يريد منه قواده أن يفعل في المعركة في حين أن الصاروخ الأميركي المصنوع من الحديد كان يستجيب للأوامر أولاً بأول!
فماذا فعلت الجماهير أمام العقل أو العلم؟ هل فتحت الجماهير المساحة بين العقل والعلم دون تكفير؟ أنا أفهم أن الإسلام القوي لا يخشى على نفسه، هل هذه الصحوة تلزم البنات بالحجاب والنقاب والعودة للبيت بينما يتفاخرون بأن الصحابيات الأوائل كن ممرضات في المعارك؟

مع سيد القمني (2)
قلت في الجزء الأول من هذا المقال إنني تعرفت على كتابات الدكتور سيد محمود القمني في أواخر التسعينيات من القرن الفائت، وقد أتيحت لي فرصة لقائه عام 1998 بمنزله بالعاصمة المصرية، حيث أجريت معه حوارا تناول العديد من القضايا الفكرية.
وتواصل حواري مع الدكتور القمني وسألته السؤال التالي: معلوم أن الباحث في إطار تعامله مع الظواهر الاجتماعية يستخدم مناهج في البحث تختلف باختلاف تلك الظواهر، وفي إطار تلك المناهج هناك العديد من المفاهيم التي يمكن استخدامها، ما هو المنهج أو المفهوم الذي يمكن أن تستخدمه في إطار تعاملك مع قضية المرأة في الإسلام، خصوصا في الأبعاد المتعلقة بالميراث والشهادة؟
أجابني الدكتور قائلاً:
هناك مستويان للإجابة على هذا السؤال، المستوى الأول هو مستوى الدستور القائم الآن في مصر. هناك نص في هذا الدستور يقول إن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن اللون أو الجنس أو العقيدة، وأنا أدعو فقط لتفعيل هذا النص ومع هذا حاكمتني الدولة لأنني أحترم دستورها وأؤمن به فقالت أنت تطالب بمساواة الرجل بالمرأة وهذا يتعارض مع القرآنّ!
المستوى الآخر للإجابة يتمثل في مناقشة الفكرة على أرض الإسلام نفسها. أولاً: مرّ التوريث في الإسلام بثلاث مراحل تغيَّر فيها الحكم خلال حياة الرسول (ص) 3 مرات. كان الحكم الأول يقضي بالميراث لذوي الأرحام دون تحديد، ثم نُسخ ذلك بآية الوصية ثم نسخ حكم آية الوصية بآية ” للذكر مثل حظ الأنثيين”، فإذا كان الحكم قد تغير في زمن الدعوة فقط 3 مرات لدواعي تغيُّر الواقع، فمن الأولى أن يكون ذلك درسا للتغير مرة أخرى مع تغيُّر الواقع الجديد.
ثانيا: يقولون في علم الفقه إن الحكمة من توريث المرأة نصف حظ الذكر هي أن الرجل يدفع مهرها ويكفلها عمرها ويعول أفراد الأسرة، وهناك قاعدة فقهية أخرى تقول إن العلة تدور مع المعلول وجودا أو عدما، فإذا زالت العلة دار معها المعلول.
ثالثا: هناك الاجتهاد بعد توقف الوحي في هذا الأمر رغم قطعيته لأن هذه أحكام تتعلّق بمعاشنا المتغيّر ولا تتعّلق بالإيمان الغيبي، ولقد اجتهد الخليفة عمر بن الخطاب ليس فقط في أحكام، بل ألغى فرائض مثل إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم وتحريمه متعة الحج والنساء، ولا عصمة ولا قدسية للخليفة عمر ولا لشخص آخر ما دام الوحي قد انقطع فهو حجة علىَّ، وعلى الخليفة عمر بل أنا أتميّز عن الخليفة إن اجتهدت، لأنه لم يطلع على أصول الفقه في القرنين الثالث والرابع.
وإذا قال البعض إن المرأة ناقصة عقل ودين بسبب الحيض الذي يمنعها من الصوم والصلاة فليس معنى ذلك نقص في إنسانيتها، فهذه ليست حجة تجعلنا نضعها نصف ذكر في الميراث والشهادة.
ثم سألته: إذا واجهت الباحث والمفكّر إشكالية التعارض بين “الوطني” و “المقدس” وهي إشكالية واضحة في كتابك “رب الزمان”، فكيف يتم حل التناقض بين الموقفين دون ولوج دائرة الخيانة الوطنية أو الكفر؟
فأجاب بالقول: أنا لا أنظر للقرآن بوصفه كتابا في الفيزياء أو التاريخ، إنما هو كتاب في العقائد والأحكام المجتمعية ومن هنا ألجأ للقياس على المعتزلة فهم قالوا بحكم العقل إذا تعارض مع نص، وأنا أقول بحكم الوطن إذا تعارض مع نص، ولكن كي يطمئن قلبي على إيماني أقول إن ما جاء من حكايا وقصص في القرآن حول تراث المنطقة الوطني أو القومي، والذي يتضارب مع أمانينا اليوم، كان له ظرفه التاريخي.
لذلك أصر على مطالبة الناس بقراءته قراءة تاريخية ترتبط بسياق ظرفه الموضوعي آنذاك، وهو ما قدمت فيه كثيرا من الجهد والمشقة في أعمالي المنشورة كي أبّين أنه يمكن الحفاظ على الإيمان مع عدم وضعه وضع التعارض مع الوطن، وهذا واضح في كتابيّ “حروب دولة الرسول” و “رب الزمان”.. لقد كانت العلاقات بين الدولة الإسلامية الوليدة وبين العقائد المستقرة تتراوح إيجابا وسلبا.
سؤال: ولكن ألا تتفق معي بأن قراءة الدين من خلال التحليل الاجتماعي والتأريخي بصورة مكثفة يؤدي إلى إضعاف مكون أساسي أو بعد جوهري في الدين، هو البعد الماورائي أو الميتافيزيقي الذي من دونه لا يصبح الدين دينا؟
نحن نقرأ الدين ونتعامل معه منذ قرون بالمنطق الماورائي فهل إذا فتحنا مساحة بالمنهج التاريخي نصبح كمن يهدم الدين؟ نحن ندرس ما يمكن أن يدخل في إطار المنهج العلمي. طالما بقي الإسلام في ساحة الاعتقاد وحده يظل في مساحة الرأي والرأي الآخر مختلف حوله، سيظل الشيعي شيعي والسني سني، أي أنك عندما تضع الفريقين في ساحة البحث العلمي فإنك توحد بينهما وتدرسهما بحياد تام.
سؤال: يقول أهل الإسلام السياسي إننا إذا كنا ننادي بفصل الدين عن السياسة باعتبار أنّ الدين يقوم على الثوابت والسياسة تقوم على المتغيرات فليست العلمانية الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك. الإسلام يقيم العقيدة على الثوابت ويتسامح مع العقائد الأخرى ويقيم السياسة على المتغيرات، ما تعليقكم؟
هذا تلفيق وتزوير لسبب بسيط أنّ المعنى السياسي في كلمة الديمقراطية يعني المساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو جنسهم. من أعطى طائفة الحق في أن تتسامح أو لا تتسامح مع طائفة أخرى؟ إذا كانت الكثرة العددية هي وحدها التي تعطي هذا الحق فإن الفهم السياسي الصحيح يعني أن الأقلية يمكن أن تنقلب إلى أكثرية، وأن الإنسان ينتقل من طائفة إلى أخرى وهذا غير وارد في الإسلام.
الإسلام لا يسمح بالتعددية فهذا غش وتدليس، حتى يتمكنوا من الوصول للسلطة بالتفسير الذي يحملونه فهم يعلمون أنّ آية السيف قد نسخت كل آيات حرية الاعتقاد، بل أنه قد تمت أسلمة كل الديانات السابقة وتم إعادتها الى حجر الإسلام، ثم على مستوى احترام الإسلام فأنا أرى أن الإسلام قيم رفيعة إن خضنا بها في ألاعيب السياسة وتغيرها اليوم عن الأمس حسب المصالح والتاكتيك وبمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فنحن بذلك نهين الإسلام ونستخدمه اليوم لتحقيق أمر ثم نستخدمه غدا لتحقيق نقيض ذلك الأمر(انتهازية).. هناك ضرر كبير يلحق بالإسلام إذا أقحمناه في السياسة وأردنا في ذات الوقت تفعيل قيم الورع والزهد والتقوى، وإذا أردنا فعل ذلك فنحن الأخسرين.
سؤال: القارئ لكتابك “النبي إبراهيم والتأريخ المجهول” يلحظ أنك اعتمدت كثيراً على تشابه الألفاظ بين أسماء الأماكن تاريخيا وجغرافيا وهو الأمر الذي قد يبعد الدراسة عن الاعتماد على أدوات البحث في علم التاريخ مثل الوثائق، والحفريات والآثار… الخ.. ما هو تعليقك؟
المنهج اللفظي المقارن “الألسني” هو أحد المناهج العلمية ولا عيب في استخدامه ولكن العيب في استخدامه وحده، وأنا لا استخدمه بمفرده. أنا كتبت “النبي إبراهيم” في ظرف معيّن وهو تعرضي لحادث إطلاق نار، وأنا وليس غيري من اكتشف فيه أخطاء، اعترفت بها وصححتها في كتاب ” النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة.”
نقلا عن الحرة