سبتمبر 26, 2021 @ 0:35

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام أجمعين

رحمة الله عليك الأخ الحبيب والصديق ولصيق الرحم وقرابة الزمان والمكان والسكن والوطن الصغير والكبير ورحمة الله عليك أخاً فى الله والمحب الصادق الصدوق فى محبتك لنا كأسرة تربطنا اوشاج ممتدة لأجيال ضمت الأجداد والآباء.

قبل ان استطرد فى تقليب الصفحات البيض للأخ الحبيب شيخ عبدالله البدري لابد لي إحتراماً وتقديراً من التوقف برهة هنا لأتحدث بعض الشيء عن سيرة والده الأكرم الشيخ المعلم المؤسس المربي العارف بالله شيخ البدري عبدالله عليه رحمة الله. حكى لي والدي فى أكثر من مناسبة أن والد الشيخ البدري أصلاً جاء من أهل جادالله “غرب النيل” قبالة القدواب، وكان يعسكر طيلة موسىم الزراعة على الضفة الشرقية لنهر النيل بقريتنا آنذاك القدواب التي عمرت الآن بسبب كرامات البدري عبدالله “الأب” ومن بعده الإبن الفاضل البار عبدالله ، فصارت هكذا مدينة جامعية مميزة. السبب فى الإقامة بشرق النيل أن جغرافية مجرى النهر المتغيرة قد جعلت جل الأراضى الزراعية المملوكة لأهل جادالله تنتقل للضفة الشرقية. يقول لي والدي أن والد الشيخ البدري كان متزوجاً لكن لم يتمكن من الإنجاب لمدة طويلة فظل يدعو الله ان يكرمه بذرية صالحة. قال ذات يوم وفي أحد تلك المواسم الزراعية قال لوالدي أنه راي رؤيا غريبة وهي عبارة عن مجموعة وقورة تتكون من عشرة رجال مليحين بيض الثياب يزورونه ويقولون له نبشرك بقدوم غلام لك ثم انصرفوا. قال تساءلت عندما صحوت وقلت إن كانت رؤيا صحيحة وصالحة لماذا لم يسمونه؟. قال فى الليلة الثانية يرى فى النوم نفس الرجال يزورونه ويقولون له سيرزقك الله ولداً إسمه البدري، ثم اختفوا. قال للوالد والله زوجتي بحمد الله ظهرت عليها اعراض حمل وننتظر نشوف إن كانت الرؤيا حقيقة. تمر الأيام والشهور ويعم الفرح كل أرجاء حلة جادالله بالوليد المبارك الذي سبقت بشرى قدومه حدوث حمل أمه به. كبر البدري الإبن المبارك فتلقى علوم الدين وحفظ القرآن على يد الشيخ العجيمي الكبير فى البرصة بديار الشايقية. ليس على الشيخ المنشق الذي يسكن الخرطوم كما ورد فى مقال للدكتور عبدالله على ابراهيم المنشور على سودانايل فى الثاني من شهر أغسطس الماضي. بالعكس الشيخ البدري عبدالله “الأب) أعتبره أولاد الشيخ العجيمي منشقاً وأرسل له وفد يدعوه للتنازل عن أنه هو شيخ العجيمية. حسب الرواية التي أعرفها أن الشيخ البدري عبدالله الكبير قام بإكرام الوفد ولكن عرفهم بأنه هو قد صار شيخاً عجيميا وقال لهم بلغوا رسالتي ” إن شاء الله ستشوفوا العجب العجيب فوق القضيب “. يعني ستصابون بالدهشة عندما ياتي اليوم الذي ستشاهدون كيف ستتحول هذه الأراضي القفر شرق خط السكة الحديدية بقرية القدواب. وقد حدث بالفعل التطور المدهش بقيام جامعة الشيخ عبدالله البدري الكبرى وغيرها من منشات شرق القضيب.

الشيخ البدري ” الأب” بدأت مسيرة حياته بعد إجازته من الشيخ العجيمي شيخاً يعلم القرآن بخلوة ودالأصولي بالقدواب فتزوج من المنطقة زوجته والدة الأخ المرحوم الشيخ عبدالله وشرف الدين حفظه الله والبقية. كان رجلاً ورعاً يشهد له الناس بالصلاح والكرامات. أشقائي دكتور بابكر ودكتور علي، عليهما رحمة الله، تزاملا فى صغرهما بخلوة الشيخ البدري مع الشيخ عبدالله البدري وأخته جميلات التي كان والدها يسمح لها بالحضور مع أخيها لتحفظ القرآن بالخلوة.
مع تقدم الزمن وفى صمت رغم ضيق ذات اليد وقلة الإمكانيات آثر الشيخ البدري أن يطور الخلوة إلي معهد علمي وفعلاً بدأ فى تريب المباني ولكن وافته المنية وهو ساجد اثناء الركعة الثانية من صلاة آخر جمعة يصليها. للتوثيق: يقول الحضور إن موضوع الخطبة الثانية كان عن كيفية إنقاذ الموقف وإتمام الصلاة حالة حدوث أي طاريء مستعجل يحدث للإمام كالإغماءة أو حتى الموت. وطبعاً جراء تلك الحادثة عمت “الخلعة” جمهور المصلين وبرغم الهرج والمرج أكملت الصلاة واستدعى الناس الطبيب المشرف على مستشفى بربر وهو الدكتور احمد بلال الذي اتى مسرعا ً فقال لهم أن الشيخ قد فارق الحياة منذ أكثر من نصف ساعة. هكذا انتهت صفحة بيضاء وتاريخ مدرسة قدوة كانت فى الورع والإستقامة وتعليم النشء مبادئ الدين الاسلامي والقراءة والكتابة وحسن الخلق والسير والسلوك، ودفن الشيخ البدري العجيمي جوار مسجده. من حسن خلق الوالد والأبناء أنهم لم يروجوا قط للطريقة العجيمية بيننا كما كان يروج آنذاك الإخوان المسلمين لنظامهم بإستقطاب تلاميذ المدارس ودعوتهم لهم لمشاركتهم إجتماعاتهم التي تسمى بالأسر. شيخ البدري عبدالله الوالد كان لصيقاً بوالدنا وقريباً منه ولهما لقاءات صحبة ومحبة فى الله إلي أن بارح الدنيا ويعلم أن والدنا شيخاً تجانياً. هذا السلوك أعتبره أنا بالتعبير السائد قمة الإيتيكيت والرقي واحترام وقبول الرأي الآخر. عليك رحمة الله يا شيخ البدري عبدالله معلم الأجيال.

هكذا انتقلت الخلافة مباشرة بعد موت الشيخ البدري إلي أخينا عبدالله فصرنا نناديه بشيخ عبدالله. قبل ان يتحمل هذه المهمة الكبيرة كان يعمل بقسم الخراطة بورشة السكة حديد فى عطبرة. جاءها بعد التخرج من المدرسة الصناعية التي دخلها حسب رغبة والده. يقول لنا شيخ عبدالله عندما قررت تطوير الخلوة إلي معهد ديني يعلم علوم الدين وحفظ القرآن فكرت فى خلق مادة إضافية تدرس لتكون وسيلة كسب عيش لحفظة القرآن الكريم وتحفظهم تعففاً من العيش على صدقات المحسنين. قال خبرتي فى ورشة السكة حديد هدتني إلي تأسيس المؤسسة الدينية وتقنية مهنية تطبيقية تدرس فى نفس الوقت. قال ساعتها تذكرت أن إيعاز الوالد لي بأن ألتحق بمدرسة عطبرة الصناعية لم يكن مجرد فكرة بل أعتبرتها كرامة بعد نظر لأمر سيحدث يوما ما وقد حدث بالفعل. أخونا المرحوم الشيخ عبدالله البدري كان عصرياً فى مظهره وهندامه الجميل وكان قمة الرقي والسلوك والتعامل مع نفسه ومع الآخرين. كان صادقاً فى حبه للوطن كله وكان يحب كل الناس ، يجمع ولا يفرق. وأنا اودع أخاً عزيزاً ورفيق درب أشقائي اللذان سبقاه خلال شهر أبريل الماضي إلى دار الخلود والآن هو يلحق بهم ، أقول : من الناس فى يومنا هذا القليل الذي يمكن وصفه بانه أفق ممتد ولكن فى نظري أن الشيخ عبدالله البدوي هو ذلك الافق الممتد بما تركه من علم ينتفع به، وهو الشيخ الخليفة الشاب بعد وفاة والده كان نعم الخلف بل بدراً يشع نوره منيراً غياهب حتى ما بعد نقطة التلاشي. وكان بما وهبه له الله من الذكاء الفطري افقاً من كاريزما تنظير وتخطيط سليم وأفقاً لا حدود له من طيبة وأريحية وصدق وكرم وإناء صحبة نظيفة لا حدود له وعشاً هادئاً يأوي إليه كل صغير وكبير فيجد فيه الدفء والحنان.

الا رحمك الله رحمة واسعة ، شيخ عبدالله البدري ، يا الأخ الحبيب والصديق الذي كنا نشم فيك عبق عطر والدينا ووالدك واناس كثر من الأخيار الطيبين كلهم الآن فى عليين وانت السعيد اليوم بلقياهم بأذن الله فى جنة عرضها السموات والأرض، وانت السعيد بمن تركت من ورائك خيار الخلف “أخاك الخليفة شرف الدين والابناء والابنات الأكارم فى مقدمتهم الإبن الدكتور السجاد” حفظهم الله ، وهنيئاً لك بما تركت من ورائك “صدقة العلم الجارية” التي هي حقيقة ومن غير رئاء منفعة وفخر الوطن السودان كله والمواطن السوداني من غير تمييز لون او عرق أو دين أو جهة. نعم الرجل كنت ونعم الشيخ الحضاري الذي يحبه كل الناس. والحزن على رحيلك يغمرني ، أعزي نفسي وأهلي بالقدواب وأهلي فى بربر الكبرى ولا أملك سوى الدعاء ، إنا لله وإنا إليه راجعون

drabdelmoneim@yahoo.com