الثورة السودانية وثورات الربيع العربي أوجه الشبه والاختلاف … بقلم: معتز إبراهيم صالح


الثورة السودانية تهتدي بإرثها الثوري وتجاربها النضالية العريقة ، ولا تقرا من دفاتر الاخرين ، فالثائر السوداني اصيل ويتكئ علي ارث ثوري تليد ، يتخذه نبراساً يضئ له طريق الحرية والديمقراطية ، ولكن في هذا المقال نحاول ان نقدم اضاءات لثورات الربيع العربي ومالاتها ، لان النظام يتخذها(فزاعه) ويستخدمها بصورة مضللة ومرادفة للفوضى وعدم الاستقرار ، ويحاول ان ينفر الجماهير عن فكرة التغيير وتشويهها ، وكذلك لا يمكن ان نتحرك للأمام من غير تقديم اجابات مقنعة عن المالات المروعة التي آلت إليها تجارب بعض دول الربيع العربي ، وكيفية تفادي ذات المصير في ظل منطقة مضطربة ومثخنة بالفشل والفوضى ، لذلك نحاول ان نجيب علي الاسئلة التالية: لماذا فشلت بعض دول الربيع العربي في التحول من انظمة شمولية الي انظمة ديمقراطية؟ وكيف نجحت الدولة التونسية في عملية التحول الديمقراطي؟ وماهي فرص نجاح عملية التحول الديمقراطي في ظل وضعنا السياسي الراهن؟
للإجابة على هذه التساؤلات نقسم دول الربيع العربي الي ثلاثة نماذج:
النموذج الاول: التغيير العنيف والتدخل الدولي ومالاته وتمثله دولتي سوريا وليبيا.
النموذج الثاني: التغيير السلمي والعودة للدكتاتورية والحروب الاهلية وتمثله دولتي مصر واليمن.
النموذج الثالث: التغيير السلمي والتحول الديمقراطي الامن والمستقر وتمثله الدولة التونسية.
-1-
فشل بعض ثورات الربيع العربي في عملية التحول الديمقراطي وتعزيز الامن والاستقرار في المنطقة التي اندلعت فيها ، جعلت البعض يلجأ لتحوير بعض المفاهيم ، والتشويش والخلط المتعمد بين اسباب الثورة ونتائجها ، فتظل الاسباب التي ادت لاندلاع الثورات متمثلة في الفساد والاستبداد وعدم التداول السلمي للسلطة ، واحتكار فئة صغير من المجتمع كل الامتيازات الاقتصادية والسياسية ، وغيرها من الاسباب التي تستوجب التغيير ولا يمكن التعايش معها ، فهذه الاسباب التي ادت الي افقار الشعوب ونهب مواردها يجب مقاومتها والاحالة دون استدامتها وفرضها حقيقة واقعية يجب التكيف معها ، ويجب علي قطار التغيير ان يستمر وان تعثر في بعض محطاته ، ولكن من لهم مصلحة في استدامة هذه الاسباب يحاولوا ابراز نتائج الفاشل في عملية التحول الديمقراطي والاستقرار السياسي علي انها اسباب اندلاع الثورة ، بدل من تشخيص النتائج التي ادت لعدم التحول الديمقراطي ومعالجتها لا القفز الي المربع الاول ووضع الشعوب للاختيار القصري بين الخبز والديمقراطية ، ليرتبط في اذهان الجماهير المزاوجة المضللة بين الشمولية وتوفير الخبز والازدواجية المعيبة بين الديمقراطية والفوضى .
-2-
الثورة في دولتي سوريا وليبيا بدأت بصورة سلمية ، فنجحت الانظمة الشمولية في تغيير مسارها للعنف ، وساعد في ذلك تناقض المصالح الاقليمية والدولية ، ورهان أي منها علي طرف دون الاخر ، فبعض الدول دعمت الثوار و فرضت اجندتها واختارت التغيير الذي يناسبها ، فدعمت الدول الأخرى النظام القائم للحفاظ علي مصالحها ، فتحولت تلك الدول لمسرح لتصفية الحسابات الدولية ، وملعب لصراعات كبري ومعقدة علي ارواح ودماء شعبها واستقراره ، واصبحت رهينة صراعات المحاور والنفوذ الدولية ، فحاقت الهزيمة بالثوار والانظمة معاً ، واصبحوا في هامش المعادلة السياسية بدل من ان يكون هم اساس المعادلة والدول الأخرى داعمة لها ، لذلك علي الثوار التمسك بالسلمية في كل المنعرجات الحرجة مهما كانت درجة القمع والانتهاك ، وعلي قيادة الحراك ان تتعامل مع المجتمع الاقليمي والدولي وفقا لمصالح الشعب السوداني واستقراره .
-3-
بالرغم من التغيير السلس الذي حدث في كل من مصر واليمن ، الا ان الفشل في تغيير بنية الانظمة الشمولية جعلت الاوضاع اسوء مما كانت عليه ، في مصر علي الرغم من حدوث تحول ديمقراطي ناجح في البداية الا ان عدم تفكيك بنية الدولة العميقة وهيكلتها ، أدي الي عودة نظام شمولي اكثر فساداً و استبداداً ، ولم تتجاوز الدول المصرية نقطة البداية بعد ان فشلت في استئصال الشمولية من جذورها ، وفي دولة اليمن تم الالتفاف علي الثورة مبكراً ، بتغيير شكلي في النظام ارتضاه الثوار علي ان يتم تغيير النظم الشمولي بشكل تدريجي ، ولكن للأنظمة الشمولية قدرة علي تغيير جلدها وفقا لدرجة سخونة وبرودة الطقس السياسي ، فعندما سحب جزء من البساط من تحت اقدامها ، تأمرت الحكومة مع مليشيات الحوثي لأحداث فوضي تتيح لها التخلي عن اتفاقها مع الثوار واعادة قبضته والانفراد بالسلطة بدواعي تحقيق الامن والاستقرار، ولكن انقلب السحر علي الساحر ، وسارت الرياح عكس ما تشتهي سفينة الحكومة ، وسيطرت مليشيات الحوثي علي السلطة بالكامل ، ونتيجة لذلك سقطت اليمن في براثن حرب اهلية ادت لمقتل الرئيس علي عبدالله صالح ، وما زالت الحرب مستمرة ومن الصعوبة التكهّن بنهايتها أو النتائج التي ستؤول إليها ، لذلك اي مبادرة من اي جهة لا تؤدي لتفكيك بنية النظام وهيكلة الدولة علي اسس جديدة ، تكون بمثابة الحرث في البحر ، وتعيد انتاج الازمة بصورة اكثر سوءاً واقل املا” في سودان ديمقراطي ومستقر.
-4-
نجحت الدولة التونسية في احداث تغيير سلمي وتحول ديمقراطي امن ومستقر ، وساعد في ذلك عدم اتخاذ تونس مجالاً لتدخلات الاقليمية والدولية ، وقيام الجيش بالدور المنوط به في الحفاظ علي امن تونس وعدم التدخل في العملية السياسية وترك ساحة الصراع السياسي للفاعلين فيه ، كما ان البيئة التونسية لا تعاني من الجهوية والقبلية ، ولا توجد بها طوائف متناحرة يمكن استخدامها في تفتيت النسيج الاجتماعي ، والاهم ان النخبة السياسية التونسية ترفعوا عن المصالح الحزبية الضيقة ، ومدوا ايديهم للتعاون بدل من التعاكس والتحريض وافتعال معارك من غير معترك . وعلى الرغم من ان الاسباب التي ادت لنجاح التجربة التونسية، نحن نعاني من جلها ولكن فرصتنا أكبر في عملية التحول الديمقراطي الامن والمستقر لعدد من الاسباب ابرازها:
1- الوحدة الغير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث، التي ضمت كل القطاعات المهنية المختلفة، والمناطق الجغرافية المتنوعة، تبشر بصياغة مستقبل متجاوز للجراحات القديمة التي اقعدت بالوطن من اللحاق بقطار التقدم والتطور.
2- وجود احزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني متجذرة في تربة الوطن، ظلت صامدة ضد كل محاولات استئصالها من الحياة العامة، ولها الكثير من المساهمات لرفع درجة الوعي وتقليص مساحات الجهوية والعنصرية، وتغيير الخارطة السياسية لصالح قوي الاستنارة التي ستمثل الركيزة التي نبني عليها وطن الغد.
3- الدولة السودانية ما بعد الاستقلال ثلاثة وستون عاماٌ من التيه، والاستقطاب السياسي الحاد، والحروب العبثية، وتفشي القبلية والجهوية والعنصرية، وغيرها من الامراض التي أنهكت جسد الوطن، خلقت اجماع بين القطاعات المختلفة على ضرورة تغيير جذري، وزراعة وطن مختلف وتكوين عقد اجتماعي وسياسي جديد يعيد هيكلة الدولة علي اسس جديدة متجاوزة لثنائية الفساد والاستبداد.
4- تنامي الوعي وصعود جيل جديد بأفق مفتوح يمارس العمل الانساني في آبها صوره وأنصع معانيه بنكران ذات، ويتعطى السياسية بطريقة مختلفة مبنية على الإنجازات لا على الولاءات وتقديس الزعامات التاريخية، وسيمثل هذا الجيل رصيد لقوي التغيير، ووسيلة ضغط لاي محاولة للالتفاف على تطلعاتهم المشروعة في حياة كريمة ومستقبل مزدهر.
5- في ظل القمع المفرط، والتعذيب الوحشي، تمسك الثوار بالسلمية، على الرغم من توفر الفرص التي تغري بالانتقام، ورد الصاع صاعين، ولكن تجاوزوا كل ذلك، لأنهم ثاروا من اجل بناء المستقبل لا هدم الحاضر البئيس، فالمقدمات السليمة تساعد على صياغة نهايات مشرقة لوطن ان له الاوان ان يتجاوز محطات الفشل، والمناكفة والتحريض، ويكتب تاريخ جديد لوطن حر يسع كل ابنائه للمساهمة الايجابية والفعالة في تحديد ملامحه ومستقبله الذي يستحقونه.
كل تلك الاسباب وغيرها تبشر بوطن قادم تسود فيه الحرية وتصان فيه الكرامة الانسانية، وتحقق فيه العدالة الاجتماعية على اوسع نطاق، ويعم السلام كل ربوعه. وطن كما جسده شاعر الشعب محجوب شريف.. عمّا قريب الهمبريب … يفتح شبابيك الحبيب … والحال يطيب … يا محمد احمد تستجم … والبيت يتم.. تتلم لم … تفرح فرح.. تحلم حلم … كم تطمئن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////

موقع sudanway وتطبيق أخبار السودان

We will be happy to hear your thoughts

Leave a reply

Sudan Way