عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

عندما أُلقي بنا في الوجود في تلك البقعة “الجيو-تاريخية” الهادئة والوادعة المسماة زالنجي، تفتحت قريحتنا على شموسها و أقمارها و نجومها، على اوديتها و جبالها، و حشائشها و أشجارها و مواشيها و طيورها، و على تنوعها البشري و المجتمعي، إلخ، و كذلك تفتحت مسامعنا على شخصية اسطورية إسمها “دريج”، عمل العقل الجمعي على تزيينها و رفدها بكل قيم البطولة و الإنتصارات حتى اصبح اشبه بشخصية “إستيبان_اجمل غريق في العالم” الذي لماركيز!
لا أذكر بأننا قد إلتقينا بالشخصية الاسطورية في بواكير حياتنا على نحو مباشر أو قد رأيناه كوجود من لحم و دم، لكننا كنا كثيراً ما نسمع عنه في حكاوي الآخرين من وقت لآخر. يصور العقل الجمعي رحلة دريج من عقر داره في وسط دارفور إلى بلاد الخوجات كرحلات أبطال أساطير الاغريق. فهجرته_ بل قل غزوته_ إلى هناك لم تكن عادية، و لكنها حفلت بالكثير من النجاحات و الإنجازات على كافة المناحي الأجتماعية و الاقتصادية و لعل زواجه من “إبنة” أحد “اعيان الخواجات” قد رفدت العقل الجمعي بالدليل المادي لنجاحات و إنتصارات هذا البطل الاسطوري.
و بحسب الاسطرة الشعبية فإن دريج قد غزا بلاد الخوجات و كان سلاحه الرئيسي هو تمكنه من لغة “الخواجات”ـ هكذا بدون تمييزـ و بل قد تفوق عليهم في لغتهم الشيء الذي جعله في دائرة الضوء في تلك البلاد. و بحسب نشاط العقل الجمعي، فإن دريج كان و إمعاناً في “إذلال” الخواجات و إظهار تفوقه اللغوي عليهم، نقول كان كثيراً ما يجنح إلى تهريب تعابير و عبارات من لغته، لغة الفور في مخاطباته، على سبيل المثال، “آفس كموا، تُلي جمايلي، إلخ” فينبهت الخواجات، و في هذه الحالات، و بحسب العقل الجمعي الخالق، فسرعان ما يستعينون بقواميسهم لتفسير هذه التعابير السحرية و لكنهم عندما يفشلون في إيجاد دلالات تلك التعابير يعودون صاغرين إلى الاسطورة و يتوسلون إليه أن يشرح لهم معاني تلك التعابير التي يظنونها من ضمن لغتهم و لكنهم لم يسمعوا بها من قبل! فهل كان العقل الجمعي يسعى للإنتقام لمقتل آخر سلاطين دارفور (السلطان على دينار) بخلق شخصية اسطورية استطاعت بمفردها غزو ديار الخواجات (The Empire strikes back) و الإنتصار عليهم بأعزّ ما يمتلكون من سلاح و هو “لغتهم”؟
و في تحققه الاسطوري و الحقيقي قد اثرت شخصية دريج في البناء النفسي و المعنوي بوعي أو بغيره للكثيرين منا و شكّل محطات كثيرة و هامة. فأذكر على سبيل المثال أن غمرت سماء مدينتنا، ربما لأول مرة، في بواكير ثمانينيات القرن الماضي و تحديدا في العام 1980سُحب سوداء تغزو العيون و الجهاز التنفسي بقساوة، و ما كانت تلك السُحب سوى دخان الغاز المسيل للدموع الذي قامت بإطلاقه قوات الشرطة ضد المتظاهرين خلال الاحتجاجات الكبيرة التي إنتظمت الاقليم شرقا و غربا رفضاً لتعيين جعفر النميري لـ”الطيب المرضي” “الكردفاني الاصل” حاكماُ لإقليم دارفور و ليس احد “أبناء” الاقليم الشيئ الذي اعتبره الكثيرون حينها “حقارة” لا تُحتمل و تعالي من المركز على الاقليم. و لا زلت اذكر بعضا من هتافات تلك المظاهرات مثل “رئيسنا غلط جاب لينا قرد”، و “المال العام بنوه بيوت في بيوت و الشعب يموت”، الخ. المهم في الامر ان اتت تلك المظاهرات أُكلها حيث أُجبر الرئيس النميري بالتخلى عن تعيين المرضي و إستدعاء دريج من امبراطوريته في الخارج ليقوم بتلك المهمة في ذلك الوقت الصعب! و قد وجد تعيين دريج حاكماً للاقليم قبولا و أستحسانا شعبيا كبيرا و لعله من اعظم دروس تلك الرحلة السياسية هو الدفع بالوعي العام لإعادة تعريف علاقته بالمركز و من ثم التعامل معه بالاحتجاج أو بالقوة إذا لزم الامر ذلك! و لكن المهم في الامر أن إنتهت فصول هذه المرحلة بمغادرة دريج البلاد تاركاً فراغا “دستورياُ” بالاقليم إثر الخلاف الحاد بينه و النميري فيما يتعلق بقضية إعلان دارفور منطقة كوارث بسبب المجاعة التي ضربت مناطق الساحل الافريقي بشدة و التي كانت دارفور من ضمن حدودها، و هو الشيئ الذي أصر عليه الاول و رفضه الآخر بشدة.
و يبدو كذلك أن بعضا من سيرة اسطورة دريج لم تنحصر في إقليم دارفور و لكنها كانت منتشرة في أمكان اخرى من السودان، فخلال السنوات الاولى لدراستي الجامعية قام نفر من “الزملاء” بإطلاق لقب دريج على شخصي الضعيف هو اللقب الذي لازمني منذ ذلك الحين و بل قد طغي على بقية أسمائي “الرسمية”، و قد ظن البعض أن هناك رابط عائلي “مباشر” يربطني بدريج و كنت أحياناُ عندما اقوم بنفي مثل تلك العلاقة لا أنسى ان أُضيف، مازحاً، القول بأن دريج صاحب الاسم ينتمي إلى منطقة في ريفي زالنجي (أرولّا_ على ما أعتقد) بينما أنا من قلب مدينة زالنجي العريقة!
واذكر ان آخر مرة رأيت فيها دريج كان خلال منتصف تسعينيات القرن الماضي في فعالية تنويرية أُستضيفت بالجامعة الامريكية في القاهرة. لقد بدى لي دريج حينها هادئاً و شاحباُ و لم اسمع عنه الكثير بعد ذلك إلا حين عودته “المفاجئة” إلى السودان في خلال الالفية الثانية و بعد ذلك خبر رحيله الفاجع.
نم في سلام أحمد إبراهيم الامين (دريج)_ “مصطفي سعيد” دارفور_ و شكرا على حضورك الأنيق في حياتنا فيما إتفقنا معك فيه و فينما إختلفنا أيضا و في سطوة اسطورتك الباقية و حياتك العامة التي لم تبخل بها إلى أحد حتى آخر قطرة من حياة!
////////////////////