(تجربة المؤتمر الدستوري الأمريكي في ١٧٨٨، التي نحن في سيرتها، خبرة في احتواء الصراع بالنظر والعزائم والمساومة. وأخوف ما تخاف صفوتنا الصراع. فما وقع حتى استشومته، وانفرط جأشها، وأدت الحلة عيطة والنقارة عصا. وثكلت: شوف بالله ديل متصارعين كيف تاني ودا ما سبب الفشل وإدمانه. الصراع عندهم الحاد في السياسة مع أنه الأصل فيها. وما يزعج صفوتنا في الصراع إلا خلو يدها من أدوات فضه وخلقه) 

اختلفت الولايات الثلاث عشر الأمريكية فيما بينها بعد وحدتها لنزع إنجلترا عن حكمهم في ١٧٧٦. ولم تشفع لهم دون ذلك وحدة العنصر واللغة والعادات وأكثر القوانين. فلم ترد الولايات أن تطمس خصوصياتها في إطار اتحاد عام طارئ. وتمحور الخلاف حول هل يتحدوا ام يتفرقوا أيدي سبأ. وما انتهت الحرب وزال العدو المشترك حتى تداعى الاتحاد وصارت كل ولاية بلداً بذاته.
وبان هزال الاتحاد الفدرالي حتى أنه لم يصمد في وجه الهنود الأحمر وعجز عن دفع ديوان استلفها خلال حرب الاستقلال. وكانت أمريكا على جرف هار حين أعلنت حكومتها الاتحادية فشلها في الحكم ودعت السلطة التأسيسية للتدخل وأخذ زمام الأمر بيدها.
كتب جيمس ماديسون من فيلادلفيا لتوماس جيفرسون سفيرهم في فرنسا، وكلاهما من قادة الثورة ضد الاستعمار الإنجليزي، عن حالة الاتحاد الذي تكون بعد جلاء الإنجليز. فأمريكا كانت تواجه صعوبات تمويل الثورة، وتضخم العملة الورقية، وتَمَنُع الولايات عن الوفاء بالتزاماتها تجاه الكونغرس. وكان الجيش يطلب أن يستعفى إذا لم توفر له الموارد والخزانة العامة. ولم يعد بالوسع الاستلاف من المواطنين. والكونغرس يشكو من ابتزاز الشعب والشعب يشكو من تبذير الكونغرس. ويشكو الجيش منهما معاً. وتصرخ الحالة بالحاجة إلى إجراءات غاية النضج والاتساق. وبلغ سوء الحال حداً اضطر ماديسون، حيال ضعف أجره من الكونغرس، أن يقترض. وطلب عون والده لكي يعيش في فيلادلفيا مقر الكونغرس. بل قال لوالده إن سيضطر إلى بيع زنجي مما ملكت يداه إن لم يزد الكونغرس مكافأته.
عصت الولايات الكونغرس عصيانا مما حدا بماديسون أن يتقدم بتعديل مواد الكونفدرالية التي اجتمعت فيها الولايات الثلاث عشر التي كونت أمريكا آنذاك في 1781، زي بعد ٥ سنوات من نجاح الثور. وقصد ماديسون من تعديله أن تكون بيد كونغرس الولايات المتحدة سلطة استخدام قواه في البر والبحر لحمل ولاية، أو ولايات، للوفاء بالتزاماتهم تجاه الكونغرس بما يشمل حجز متعلقات هذه الولاية، أو الولايات، وعدتها وتجارتها أو أي من مواطنيها حيث وجدت. وله أيضاً أن يحظر تجارتها وتعاملها مع أي من الولايات الأمريكية الأخرى أو الدول الأجنبية. ولن يرفع الكونغرس عن الولاية، أو الولايات، تلك الإجراءات إلا أن تعوض الكونغرس بالتمام، أو تسدد ما عليها للكونغرس على دائر المليم.
كانت هذه خطوة صعبة لماديسون. فلم تكن مواد الكونفدرالية تخول له هذه الغلظة. فهو يطلب تعديلاً لمواد لم يكن الظرف مهيأ لها لأنها قضت أن يكون تعديلها بالإجماع. وجاء ماديسون بجديد لن يجد دعم ولاية واحدة ناهيك عن جرائها. ولكن ماديسون لم يتزحزح. بل ألح على أن يُزود الكونغرس بشوكة مُجبرة بالنظر إلى عصيان الولايات وامتناعها الوفاء بالتزاماتها تجاهه. وقال إنه بدون هذه السلطات الُمجبِرة ستفسد الفدرالية. وعليه دعا إلى تكوين جيش ثابت بينما كان العرف آنذاك أن الكونغرس إنما يدير حربه بقوة تجتمع له من مليشيات الولايات. ودبر أيضاً لتكوين قوة بحرية. ولم يكن لتعديله ليحظى بالفوز.
ظل ماديسون مقتنعاً بوجوب تعديل مواد الكونفدرالية لتقوية الكونغرس. واستقر رأيه على الدعوة إلى مؤتمر للولايات بنظر في تعديل مواد الكونفدرالية. وكان هو في طريقه من فرجينيا إلى فيلادلفيا للكونغرس عضواً لفترة أخرى (1786) حين غشي جورج واشنطن. والتمس منه أن يعود للكونغرس بعد أن كان قد اعتزل واستعصم بداره في موينت فيرنون. وكان من رأى واشنطن أيضاً أن مواد الكونفدرالية لابد ان تعدل لإصلاح الحال.
ومع أننا نسمي اجتماع 1787 في فيلادلفيا بالمؤتمر الدستوري إلا أن أعضاءه لم يريدوا له هـه الصفة بل كان همهم التمسك بمواد الكونفدرالية. فتقدمت ولاية فرجينيا في المؤتمر بالتعديل الذي اتفق لماديسون القاضي بنقض مواد الكونفدرالية، لا تعديلها، وتبني دستور جديد بواسطة مؤتمر الولايات. وكانت الولايات هي المختصة بتعديل الدستور في مواد الكونفدرالية كما تقدم. والمثير أن الدستور الجديد حسب ماديسون سيعطي السلطة المركزية حق الغاء أي قوانين تصدر عن الولايات مما هو تعد صريح على سيادة الولايات التي كفلتها الكونفدرالية.
(مذكرات عبارة عن تعريب ما اتفق من كتاب راح عليّ اسمه أردت منه قبل سنوات علماً بالدستور الأمريكي لا بنية النشر)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.