أكتوبر 16, 2021 @ 21:03

تمر اليوم (١٢ أكتوبر) الذكرى الثانية والعشرين ليوم كريه من أيام القضائية. فحكمت الدائرة الدستورية في المحكمة العليا في ذلك اليوم لصالح المخلوع البشير ضد شيخه حسن الترابي في الصراع المعروف بصراع القصر والمنشية. فكان النزاع تصاعد بينهما فلجأ المخلوع لحسمه بما عرف ب”قرارات الرابع من رمضان”. فحل بموجبها البرلمان الذي كان الترابي على سدته لتحتله قوات سلاح المهندسين وتمنع الترابي من دخوله. كما جمد مواد في الدستور تتعلق باختيار ولاة الأقاليم بالانتخاب. وهو تجاوز للدستور صرفته المحكمة الدستورية بأنه “أمر رئاسي فوق الضرورات، فوق القوانين” في عبارة للترابي في معرض قوله بأن العسكر لا عهد لهم وقضوا على القضاء. وقال إنه كان زاهداً في اللجوء للقضاء لأنه شديد سوء الظن به ويعرف قادته عن كثب واحداً واحداً. بل قال إن البشير التقى برئيس القضاء الذي قال له أفعل ما تشاء وسأدبر الأمر. وقام بالطعن في قرار المخلوع رفقته حين كره أن يفعل ذلك بنفسه سقماً.
وكيف لمثل المخلوع ألا يأمر ويطاع في سلطنته وبين قضاته وقد صار بقانون الهيئة القضائية مخدماً لهم وهم الخدام. فلا يعين عامل قضائي في أقصى الأرض إلا وكان له يد في ذلك. فأقرأ لا تلك الفرعونية الثمودية للمخلوع من قانون القضائية فحسب، بل استخذاء الخدام لا يملك الواحد منهم أمر نفسه ويفتي في أمر الناس:
الفصل الخامس: تعيين القضاة وعددهم ومرتباتهم وترقياتهم وتنقلاتهم وأقدميتهم تعيين القضاة. 18ـ يعين رئيس الجمهورية رئيس القضاء ونوابه وقضاة المحكمة العليا وقضاة الاستئناف وقضاة المحاكم العامة والقضاة الجزئيين ويعفيهم من مناصبهم.
وامتثلت المحكمة الدستورية كثيراً للإرادة التنفيذية ممثلة في قانون الأمن والمخابرات الوطني. ونعرض لواقعتين لم تملك الدستورية قولة بغم بحق معتقلين في براثن الأمن. فقال حزب المؤتمر السوداني المعارض، إن المحكمة الدستورية رفضت طلباً بالإفراج عن رئيسه عمر الدقير والمحامي محمد الحافظ بغرض عرضهما على طبيب. وأشار البيان إلى أن الحزب سبق وأعلن توافر معلومات موثوقة حول تدهور الحالة الصحية للدقير لإصابته بالتهاب في العين، كما يعاني الحافظ من مرض السكر ويتابع حالته طبيب خاص لسنوات داخل وخارج السودان. ورفضت المحكمة الطلب مع لا قانونية اعتقالهما بنص قانون الأمن نفسه. فكانت انقضت، عند طلب الافراج عنهما، مدة الاعتقال (١٥ يوما) ومدة التجديد (٣٠ يوما). فكأن الدستورية تقول لو عضك الأمن فلن تخرج إلا أن يصيح جبريل، أو ترضى عنك السلطة التنفيذية أيهما أقرب.
أما الواقعة الأخرى فمحبطة و”تُقَنِع” في خيراً في الدنيا. فلم تأذن المحكمة الدستورية فيها لهيئة الدفاع عن الأمير عبد الرحمن عبد الله نقد الله وآخرين لمجرد لقائهم في حظيرة الأمن في القضية (م.ع/ع.د/7/1998 عبد الرحمن عبد الله نقد الله وآخرين //ضد// جهاز الأمن العام) وهي رخصة لا تنتطح فيها عنزان لو لابد طالما قلنا بالحظيرة.
وكان محامي المتهم غازي سليمان قد طلب من المحكمة الدستورية السماح لمقابلة هيئة الدفاع الأمير نقد الله ومعتقلين أخرين إعمالاً لنصوص العدالة في هذا الخصوص. ورفضت المحكمة الدعوى بحجة أنها، مع أنها محكمة ابتدائية تنظر في الدعاوى، “إلا أنها ليست محكمة ذات سلطات لإصدار أوامر تحفظية” مثل التي طلبها الادعاء. فالإجراءات الوقتية حسب قانون الإجراءات المدنية تصدر عن محكمة تبحث الأمور لأول مرة. وهذا بخلاف المحكمة الدستورية التي تنظر في دعاو عن حقوق انتهكت يتبعها ادعاء بحماية الحقوق الدستورية. فإذا اتخذت المحكمة الدستورية إجراء وقتياً عنى ذلك التدخل في قرارات وأفعال صادرة من جهة أخرى قبل الفصل في المشروعية”. ووجهت المحكمة الطاعن للاحتجاج على سلطة الاعتقال التحفظي مما يتظلم المرء منه إلى رئاسة جهاز الأمن مباشرة، أو إلى مستشار الجهاز القانوني، أو القاضي المختص.
لم أفهم كثيراً من هذا “الحنك” لا أعرف لعدم الاختصاص في العلم أو لأنه مجدور العبارة. ولكنني شهد الله لو كنت القاضي وسطهم لأخذت المرحوم غازي بيدي كشلك كشلك ليرى المرحوم المتهم الأمير رجالة كدي. ولكنت تركت القانون كي والشريعة كي، في قول إداري أهلي بالنيل الأبيض، وعلى الطلاق ساكت فضضت المسألة.
وفي ذلك المناخ المكفهر بخيلاء السلطة التنفيذية على القضاء أفرخ النهازون زلفى للحكومة وحزبها. وجاء مولانا عبد القادر محمد أحمد منذ أيام بصور من وقوف بعض القضاة للسلطان “بكسر نفس وتخفيض وتهوين”. فأعاد سيرة هؤلاء القضاة في الهيئة. ففتح بعضهم مكاتب داخل السلطة القضائية وكتبوا على أبوابها “مكتب المؤتمر الوطني فرع السلطة القضائية” و”منسقية الدفاع الشعبي فرع السلطة القضائية”. ومنهم من ترك العدل بقاعة المحكمة بهيئته في الخرطوم ليطلبه في بسطام جهاداً في الجنوب ضد مواطنين طلبوا العدل. ومنهم من عمل عديل ضباطاً في جهاز الأمن والمخابرات. وعشعش بعضهم في الدوائر الخاصة تفصل الأحكام وفق إرادة المخدم.
اسمع من يحتج الآن ويرابط في الشوارع. واسمع من علت عينه على الحاجب. واسمع من اكتسب صوتاً بعد عقم. وأقول لهم اشكروا الصانع، ثورة ديسمبر، التي أخرجتكم من الكفر إلى الإيمان.