أكتوبر 16, 2021 @ 21:02

تنويه: هذا المقال قد كتب قبل رحيل الاستاذ الفنان عبد الرحمن عبد الله رحمه الله

غادرنا منذ نحو أسبوعين الى قاهرة المعز مستشفيين، المطربان الكبيران هزارا كردفان الصداحان: الأستاذ عبد القادر سالم والاستاذ عبد الرحمن عبد الله ، مشيعيْن بالدعوات الصادقة والمخلصة للكثيرين من معجبي فنيهما الراقيين ، في شتى بقاع السودان وخارجه ، بأن يجعل رحلة استشفائهما رحلة ميمونة وموفقة ، وأن يكتب لهما المولى سبحانه وتعالى الشفاء العاجل والتام الذي لا يغادر سقما ، وأن يعيدهما الى أرض الوطن معافيين سالمين غانمين ،انه سميع مجيب.
وقد قصدت عمداً في اختياري لعنوان هذه الكلمة الموجزة ، الى اقتباس عبارتين وردتا في اغنيتين شهيرتين لهذين المطربين الرائدين على التوالي ، ألا وهما: ” الزّقاية الباردة ” ، وهي عبارة تراثية مستقاة من لهجة وثقافة عرب البقارة ” العطاوة ” عموماً ، تغنى بها عبد القادر سالم من ضمن مقطع استهلالي أو ” رمية ” لأغنية ” المحلب الدُقاقة ” على ما اعتقد. وذلك المقطع الغنائي التراثي الذي وردت به تلك العبارة ، ينم بصورة نموذجية عن لهجة عرب البقارة العطاوة الجهنيين ، في ديارهم الشاسعة المتمددة عبر بضعة دول امتداداً من لدن شواطىء النيل الابيض شرقاً ، مرورا بجنوب كردفان وجنوب دارفور ، واواسط تشاد والكميرون ، الى شرقي نيجيريا غربا. وذلك هو قول المطرب الهدّاي عبد القادر سالم:
الزقاية الباردة
الفايتة الحدود سايرة
ام هبيباً هابة
طرق الشدر حاتّة … الخ
ومن الملاحظة ان حركة قافية أشطار هذا المقطع تنطق مُمالة نحو الكسر نوعا ما ، دون ان يكون كسرا تاما ، وهذه من الخصائص الصوتية للهجة عرب البقارة.
أمّا الزقّاية نفسها ، فهي الرياح الرطبة والباردة المشبعة بجزيئات ماء المطر ، والتي تسبق هطول الامطار وتبشر باقترابها ، وقد تكون عنيفة نوعا ما ، حتى انها تجعل اوراق الاشجار تتقصف وتنحتّ ، مع أنها تكون عادة في ذلك الفصل في عنفوان نموها وقوتها واخضرارها ، وليست كاوراق خريف البلدان المعتدلة والباردة الذابلة والصفراء ، من مثل تلك التي وصفها الشاعر عبد المنعم عبد الحي ، وأداها الفنان عثمان حسين غناءً:
يا ليالي المصيف قولي لخلنا
أوراق الخريف ثارت حولنا
أما قوله ” زقّاية ” ، فهو بمعنى ” سقّاية ” من السُقيا ، بقلب السين زيناً ، وهو تعاقب معهود في العاميات وفي العربية الفصحى أيضاً ، بين حروف السين والصاد والزاي. ومنه ما اورده السيوطي في المزهر من ان اعرابيا قيل له ذات يوم: أفتقول الصقر أم السقر ؟ قال بل الزّقر !. ومن ذلك في العاميات قولهم: أسقيني وأزقيني ، والسّعف والزّعف اي أغصان النخيل.
ويا صديقي ، إذا أردت فعلاً أن تتذوق طعم غناء عبد القادر سالم عموما ، فلتجرب أن تسافر ذات خريف كردفاني ممرع ، بين الدلنج والأبيض.
هنالك يحلو الترنم بمثل قوله:
شِن تهدي يا الهدّاية
القليب ما انبدل
والعين بقت بكّاية
تعبّي نهار سحاب
تشيل ليلا سرّاية
ويا شوقي الكتير برعودو دوداية .. الخ الخ

وأما عبارة: جنّة سواقي الريد ، فهو مقطع غنائي آخر ورد في ” رمية ” أخرى لبلوم الغرب المغرد الاستاذ ” عبد الرحمن عبد الله ” ، في مستهل أغنيته ” أبو جمال زينة “. وهذا المقطع يصف في الغالب مدينة ” بارا ” تلك الواحة وارفة الظلال ووافرة الثمار وعذبة المياه ، وهي مدينة هذا الفنان نفسه ومسقط رأسه. ذلك بأن جميع الصفات المذكورة في هذا المقطع ، انما تنطبق على بارا وحدها ، دون سائر مدن كردفان الأخرى:
بلدي يا جنة سواقي الريد
ويا مرتع الغزلان
وادي النخيل والصيد
أرضك رمال وجنان
فيها البوابير دايرة
تفيض سلام وأماني
تهدي القلوب الحايرة
تسقيها ريد وحنان
هذا ، ولئن كان غناء بعد القادر سالم يمثل مراءة صادقة للهجة البقارة ، فإن كثيرا من غناء عبد الرحمن عبد الله ، يجسد ثقافة ولهجات العرب الابالة بشمال كردفان وغربها ، من حَمَر ودار حامد وكواهلة وكبابيش وغيرهم.
فهو الذي شنّف آذان سائر المستمعين في السودان بغريب الالفاظ والعبارات من تلك الجهات ، حتى الفها الناس وتجاوبوا معها. ومن ذلك على سبيل المثال فقط:

شقّيش قوليّا مروح
قبال صباحنا يبوّح
فشقيش هاهنا معناها الى أين ؟ بمعنى الى اي شق حرفيا. وأحيانا يوغل الاستاذ عبد الرحمن في اللهجة المحلية ويأتي بلفظ مرادف لشقّيش هذه فيقول ” أمّيش ” بفتح الهمزة اليها ميم مشددة مفتوحة ، وهي لغةٌ في شقيش المذكورة بذات المعنى.
ومنها كذلك قوله:
سنك ريال جيّد
دقّاقا ما بليّد
سايرة بنعيّد
في دار اللبيّض
أو
بسمع لي حس كوراك
غرب الجبال ديلاك
يا وليد فزّيت مالك
خليت شريك لباك
وكذلك قوله
كباشي كان برضى
وصلني ود بندة
وصلني ود بندة الليموني
خلوني اناخد سندة
ثم قوله:
ادريس ضي اللمبة
خلوني نصقر جنبا
والله في ضُل البرندة الخ
………
وأخيرا ، قوله ذاك الذي سارت به الركبان:
جِديْ الريل أبو كِزيمة
تعال نتمشّى في الغيمة
ما غيمة ريد تصب في رهيد
شواطيه الخُضُر ديمة.
فما هي هذه ” الكِزيمة ” يا تُرى ؟. الكزيمة بكسر الكاف ، هي تصغير ” كَزَمَة ” على وزن ” عَجَلَة ” ، والكزمة هي تأخّر مستملح في أرنبة الأنف ، كمثل التي كانت في الممثلة صفاء أبو السعود مثلاً في شبابها ، وهي رديف ” الخَنَس ” في الفصيح الذي منه الصفة: خنساء الذي توصف به الظبية مثلما ما توصف به الحسناء تشبيها لها بالظبية. فكأنّ جدي الريل أبو كزيمة ، معناه: الظبية الخنساء قولاً واحدا.
والشيء بالشيء يذكر ، فقد كانت في الدفعة التي تلت دفعتنا بالكلية بعام او عامين ، غادة حسناء وانيقة حقاً في ذات الوقت. كانت ترتدي فساتين جميلة يغلب عليها اللون الابيض مع جوارب بيضاء وحذاء ابيض جميل ، من قبيل ذلك النوع الذي كان يقال له ” جزمة كبس ” ، فأطلق عليها بعض المعجبين لقب:” جدي الريل أبو جزيمة ” فتأمّل !.
دعواتنا الصادقة للفنانين الكبيرين عبد القادر سالم وعبد الرحمن عبد الله بتمام الشفاء وبلوغ العافية ، والعودة السالمة المظفرة الى ربوع الوطن الحبيب.