يناير 16, 2022 @ 19:00

خارج الراهن السياسى || عواطف سيد أحمد

ست وستون سنة راحت منذ ما يسمى باستقلال السودان. ونحن على حالنا هذا ظللنا نعافر في الدولة الحديثة من فاتوا اسيادها. ونزداد في الخرمجة لحدي ما غبت الشغلة على أهلها الصنعوها ذاتهم. والآن هم في حالة تساؤل شفيف حول مصير ديمقراطيتهم والتي يقولون انها على شفا هاوية. اما نحن فنسأل ان كنا نستطيع تحقيق الديمقراطية للمرة الاولى، لحدي ماطبت علينا كلنا العولمة، وقبال ما نعرف ليها راس من قعر كشرت فينا أنياب ادواتها غير العادية مثل الشعبوية وأشياء اخرى. ونحن مانزال نزداد تشظيا الامر الذي يفتح الباب واسعا لدخول الشعبوية.
يحدث كل ذلك بالرغم من ان السودان غني (لا بثرواته المادية فقط) بل بعبقريات مذهلة، ويمكنني ان اسمي من هؤلاء خمسين من النساء والرجال في دقيقة واحدة.
واي شخص من هؤلاء يمكنه إصلاح حال الانسان في السودان وفي محيطه الاقليمي وفي فترة وجيزة جدا. ولكن كما هو حال العدالة الضائعة منذ الأزل، والثروات المكنونة واهلها جائعون، ومثل الفقر الذي كانت بعض المنظمات تتشدق بانهائه، فقط لتحول ذلك الشعار الى مجرد تقليص ولم تفلح في تحقيق اي من الشعارين. ولكل ذلك لايستطيع عباقرتنا الزهاد الأطهار من إعمال فكرهم لخير البشر.
ومفكرونا هم ثروتنا الأكثر والأكبر، ولكنهم مستبعدون تماما كما ثرواتنا المادية والتي تحفظ كاحتياطي ولكن الى متى ولمن؟ وننشغل نحن عنها بالصراعات العادي منها و المبرمج والزائف ونكتفي بالفتات. ولحسن الحظ وانا اكتب هذه السطور، ملأ عيني كتاب عنوانه “فشل المثقف السوداني” ومؤلفه وبتواضع جم لا يطلق عليه اسم كتاب بل يقول انه مجرد ورقة متواضعة للمساهمة في الخروج من هذا النفق الجديد الذي استمرأنا توسيعه مع كل يوم يمر.
وبهذا يمكنني ان اكتفي بعبقرية واحدة لغرض هذه السطور، فهذا هو الاستاذ صلاح حسن احمد مؤلف كتاب “فشل المثقف السوداني” والذي كان معروضا في آخر معرض للكتاب فى الخرطوم في اواخر سبتمبر واوائل اكتوبر من العام المنصرم. الاستاذ لديه الحل لانه حدد أسباب تقاعس المثقف السوداني في اداء واجبه الاساسي وهو العمل على تنمية مجتمعه والنهوض به كما يقول. كما ركز الكتاب على اهمية اصلاح نظام التعليم قبل كل شيء إذا اردنا تحقيق إصلاح الحال والمآل.
تحدث الاستاذ عن مدى تدمير التعليم التلقيني للعقل السوداني وتقاعسه عن إعمال فكره وممارسة النظرة النقدية لكل ما هو حولنا. وفي ذلك اتحفنا الكاتب بالاستخدام الممتاز للأمثال السودانية التي تلخص علل ثقافتنا بصورة مبسطة وثاقبة. استخدم مثل “القلم ما بزيل بلم”. واشار اليها في اجتماع كل السودانيين من الامي الى الجامعي وما بينهما في طريقة تناول القضايا المصيرية في النقاش. وهي عملية رص الأفكار بدون تعمق ودون التطرق للحلول.
وتشخيص الاستاذ صلاح هذا يتجلى هذه الايام في التحليلات التي يقدمها من يسمون بالخبراء والمحللين والكتاب والذين يأتي بعضهم من كل فج عميق. فتجد معظمهم يسترسل في اسباب المشكلة السودانية الآنية ولا يقدم اي حل. ولذلك تجد مقدمي البرامج في الفضائيات العربية وغيرها يعانون مع جماعتنا ديل في محاولات يائسة لتقديم اي اقتراح للخروج من الأزمة. وفي احدى الفضائيات الاوربية (باللغة العربية) والصديقة للسودان، يقول مقدم البرنامج وبنبرة ودية” هذه مشكلتكم إنتو الاخوة السودانيين، انكم تستفيضوا في سرد الازمة ولاتقدموا اي حلول” .
وبعد تطرقه لمفاجأة الاستقلال المبكر لطبقة المثقفين من الخريجين -كلية غردون- والتي لم يجهزها ذلك التعليم للحكم، استفاض الكاتب في تقديم الحلول في الجزء الثاني من الكتاب.
المؤلف صلاح كتب قصته القصيرة “الحياة مهنتي” وهو في الصف الثالث الثانوي ونشرت في مجلة صباح الخير المصرية في نفس العام. ثم حولها الى مسلسل اذاعي وهو في السنة الثانية بجامعة الخرطوم، ليخرجها صلاح الآخر، المخرج العبقري الاستاذ صلاح الدين الفاضل في نفس العام.
الشاهد يا أهلنا الكرام أن العبقريات عندنا تتفتق في اعمار مبكرة جدا. ولكن كما شرح الاستاذ صلاح حسن، ان الفشل هو في التلقين اي التعليم عندنا والذي لا يهتم بمثل هذه المواهب، والتي تتم رعايتها في بلاد اخرى بوضع هؤلاء النوابغ في فصول مخصصة وتعطى لهم كامل الحرية في الإبداع.
ويحضرني هنا تمرد وملل محرر امريكا الجنوبية، سيمون بوليفار على نظام التعليم في فنزويلا اثناء نشأته في القرن التاسع عشر، حتى اضطر اهله لإرساله لمعلم غير تقليدي، الاستاذ رودريغرز والذي سأله في البداية عن ماذا يريد ان يتعلم وترك له حرية ان يقوم بأعمال يدوية او فكرية، وان يقرأ ما يشاء ثم يتناقشا فيما بعد.
ولذلك أصيب بوليفار بالذهول عندما كان في باريس وشاهد تتويج نابليون على يد البابا امبراطورا على فرنسا، لانه رأى في ذلك خيانة للثورة وجمع لكل السلطات في يد شخص واحد. وكان بوليفار حينها في الثانية والعشرين من عمره. وانتقد تلك الفكرة نقدا حادا أغضب العديد من اصدقائه الفرنسيين.
الاستاذ صلاح يحلم بأن يفك اسر العقل حتى ينطلق بوليفاريو السودان لبناء وطن الانسان الرفيع الأخلاق، إذ من غير الخلق السليم، سيذهب الجميع في شتات وغربة داخلية لا تبقي ولا تذر.
ولنذكر مفكرا آخر واحدا من رفاق صلاح في هذا الوعي المبكر، وهو الاستاذ هاشم صديق الذي كتب الملحمة “ثورة شعب” وهو في السابعة عشر من عمره. والملحمة هي كتاب في ذاتها لتحسس طريقنا عبر مزالق الانحطاط الاخلاقي الجاثم على صدر الشعوب المحبة للسلام والوئام. الملحمة التي حولها حادي الامة الماجد الثائر ابدا الاستاذ محمد الامين ألحانا صقلت وجدان هذه الامة وكتب لها الخلود الفني والإلهام الثوري لكل الأجيال.
لقد اخترق هؤلاء ركام التلقين بالجسارة والتمرد والفطرة السليمة. ولكن عليك ان تتخيل كيف كان يكون حال البلد لو كان التعليم شاحذا للعقول. نعم لو كان كذلك لكنا “نستطيع”
و”نعم نستطيع” كما ظل يردد وبدون كلل الرئيس الامريكي خارق الذكاء، باراك اوباما. نستطيع لأن طوفان شابات وشباب السودان الواعي لايزال يجرف جسور التكلس.
ولم لا فهل هبط شعب مملكة البوتان من مجرة اخرى على هذا الكوكب المصاب بالتقاعس وعدم الاستطاعة؟ لا، هم بشر مثلنا تماما. ويقال عن هذا الشعب الذي يعيش في دولة صغيرة في آسيا انه لايعرف الحزن وهو في غالبيته شعب سعيد. والسبب هو في الحلول المبتكرة التي اسس لها احد ملوكهم والقائمة على مفهوم: “السعادة المحلية الإجمالية” على غرار الناتج المحلي الاجمالي. وهذا الحل يقوم على توفير كل الخدمات الضرورية وإتاحتها للجميع. والامر كما يبدو لنا ليست فيه اي صعوبة، بدليل ما يقوم به شباب المقاومة في كل الأحياء والفرقان.