سبتمبر 26, 2021 @ 1:38



الفاضل عباس محمد علي
“علاج الديمقراطية هو مزيد من الديمقراطية”محمد أحمد محجوب
“دع عنك لومي فإن اللوم إغراء و داوني بالتي كانت هي الداء” أبو نواس

يقول أهلنا في السودان (العينة من بدوها- أي بدايتها)، و المخاض الذي تمر به الأمة العربية هو إرهاصات مؤكدة لغد مشرق سعيد من الديمقراطية و الشفافية و احترام حقوق الإنسان والرفاهية والسؤدد، على درب التقدم الاقتصادي و التحول الاجتماعي؛ و لن يتم ذلك إلا بالتعاون و التنسيق و الانفتاح على الآخرين، و لا مفر من أن يقود ذلك للتكامل و الوحدة مثلما حدث بالنسبة للدول الأوروبية التي ما أن وضعت الحرب أوزارها عام 1945 حتى شرعت في بناء الديمقراطية (في غربها على الأقل)، ثم تقدمت نحو التكامل المسمّي “السوق الأوروبية المشتركة”، و من بعدها سلسلة خطوات قادت ل”الاتحاد الأوروبي” الذي أصبح كالدولة الواحدة ….بحكومتها و برلمانها و محكمتها العليا و عملتها… و هلمجراً.
و الذي لا يرى هذا الغد الوشيك Those who don’t see it coming هم قصار النّظر، و اللصوص المنغمسون في تفليس الطبل وتكديس المليارات بالخارج ولا يريدون لشمس النهار أن تفضحهم، و الجبناء الذين يعانون من الستوكهولم سندروم… أي الذين وقعوا في غرام الغاصب المغتصب كنوع من الهروب للأمام، أو كنوع من تبرير الخيبة و الانكسار بخداع الذات، و أنصاف المثقفين الذين يجهلون اللغات الأجنبية و لا يعرفون ما تقول ماكينة المعرفة الغربية بكتّابها و مراكز بحثها و إعلامها الذي يختلف عن إعلام الصحّاف والقنوات الحكومية …، و الترجمة عمرها لا تشفى غليلاً و لا تتمخّض عن مثقف مرهف الحس يتنبّأ بالمستقبل.
و الديمقراطية راجحة و عائدة بلا أدنى شك لأنها ضاربة الجذور في هذه المجتمعات العربية، و من يقول بغير ذلك فهو إما جاهل بتاريخ شعبه، و إما داعية للمقولة الاستغفالية التي تدّعى أن (العرب غير جديرين بالديمقراطية و غير مؤهلين لها) و ذلك حتى ينفردوا بهذا الشعب أو ذاك و يوسعونه خسفاً و بطشاً و نهباً لموارده…. تحت كافة المسميات الآيدلوجية-الشيوعية أو الاشتراكية العربية أو البعثية أو الإسلاموية أو القذّافية…… إن هي إلا أسماء أسميتموها ما أنزل الله بها من سلطان؛ و جميعها غطاء لجسم واحد له نفس الملامح و الشبه: دكتاتورية الواحد الأحد الذي يستأثر بالسلطة و الثروة له و لرهطه الأقربين جيلاً بعد جيل.
و الشواهد التاريخية تؤكد أن العرب تعرفوا على الديمقراطية و حقوق الإنسان منذ أن طرق نابليون أبوابهم عام 1799 بفتحه لمصر و إحضاره الآلة الطابعة معه، و فتحه لأبواب التعليم في فرنسا الذي بدأ بمحمد عبده ورفاعه رافع الطهطاوي حتى طه حسين و توفيق الحكيم.. الخ.
و لما جاء محمد علي باشا للحكم بعد ذلك ببضع سنوات تميّز عهده بالتحديث و التعليم، رغم الفظاعات الشوفينية التي ارتكبها في السودان. و لقد أنشأ محمد علي ( مجلس المشورة) عام 1829 ممثلاً لكل قطاعات الشعب، و ليس فقط الباشوات الأتراك الغزاة، رغم أنه بالتعيين.
و حتى بعد الاحتلال الانجليزي لمصر و ترسيخ النفوذ البريطاني و الفرنسي بعد حفر قناة السويس عام 1865 ثم الغزو البريطاني عام 1882 و فرض المعتمد الانجليزي كحاكم فعلي لمصر، استمرت مظاهر الشورى والحكم الذاتي… وظهرت الأحزاب، و ظهر المناضلون السياسيون البواسل أمثال أحمد عرابي و أحمد سامي البارودي و قاسم أمين و سعد زغلول، و عرفت تلك الفترة الممتدة حتى انقلاب يوليو 1952، عرفت نهضة أدبية و ثقافية و مسرحية و فنية لا زال العالم العربي يقتات منها كأنها سنام لبعير عجز العالم العربي أن ينجب مثله مرة أخرى طوال فترات الأنظمة الشمولية التي خيّمت عليه بعد ظهور الضباط الأحرار فى مصر وظهور أشباههم فى باقي الدول العربية.
ليست مصر وحدها، و لكن باقي دول الشرق الأوسط الساعية للتخلص من ربقة الاستعمار التركي العثماني (الذي كان يدعي وراثته للخلافة الإسلامية)أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى… جنحت نحو الديمقراطية اللبرالية و ذلك حتى تتماهى مع حلفائها الانجليز و الفرنسيين الذين ساعدوها على التخلص من الأتراك، و ذلك لعدة أسباب:
1. إن الحليف الذي يريد تخليصهم من الأتراك هو نفسه ذئب كاسر لا يؤتمن على قطعان الحملان، بدليل مستعمراته التي لا تغيب عنها الشمس في مشارق الأرض و مغاربها؛ و رغم أنه سيبقى في الشرق الأوسط بموجب قرار عصبة الأمم كحاميّ و وصيّ في محميات protectorates و ليس مستعمرات، كان العرب يخشون أن يطيب له المقام، خاصة و قد ظهر النفط أولاً في إيران ثم البحرين و كان البحث جارياً عنه بشدة في السعودية و الخليج، كما بدا في الأفق التهديد الصهيوني منذ وعد بلفور 1917؛ فأراد العرب أن يتماهوا مع قيم الغرب السياسية حتى لا يتهمهم بالتخلف و يجد المعاذير للبقاء بين ظهرانيهم “ليعلمهم و يأخذ بيدهم نحو الديمقراطية.” فنشأت أنظمة مبنية على تلك القيم، منذ الدستور المصري (1923)، و شيء من هذا القبيل في العراق و سوريا، و في لبنان منذ دستور 1942 الذي حقق استقراراً بذلك البلد متعدد الثقافات و الأديان حتى نشوب الحرب الأهلية عام 1976، (حيث تهدمت التجربة الديمقراطية اللبنانية بتدخل إسرائيلي بالدرجة الأولى)، إذ أن إسرائيل تريد أن تستأثر بتلك القيم لتقول للغرب إنها الدولة الديمقراطية الوحيدة بالمنطقة وأن العرب غير جديرين بالديمقراطية وإنهم يختلفون عن باقي البشر و لهم ثقافاتهم الخاصة…. الخ ( و هي نفس المقولة التي اعتاشت عليها الأنظمة الشمولية و التي يروج لها السلفيون والوهابيون والإخوان المسلمون).
2. طلائع المثقفين العرب التى زارت أو تعلمت فى الغرب أدركت أن الديمقراطية ضمان للتقدم الاقتصادي، وأن ما أحرزته الدول الأوروبية من صناعة متقدمة وتجارة رائجة هو بفضل التوزيع العادل للثروة والسلطة مما يضمن مساهمة جميع قطاعات الشعب فى الإنتاج، وبروح معنوية عالية، لا بروح السخرة والعبودية والانكسار.
و لقد شهدت الكويت مثلاً بعد الحرب العالمية قدراً من الشورى و حرية التنظيم لم تشهده بعد ذلك إلا في الأيام الأخيرة: إذ كان هناك اتحاد للتجار عام 1921 و كان هناك مجلس استشاري قوي و مستقل رغم أنه بالتعيين. وكذا الحال فى البحرين على أول أيام الشيخ عيسى.
كما شهدت السعودية منذ الأيام الأولى لعبد العزيز آل سعود 1924 (مجلس مواطنين) بالانتخاب من كافة قبائل نجد و الحجاز، و تمتع ذلك المجلس بسلطات تشريعية و تنفيذية، و لكنه مات برحيل ذلك العاهل الحكيم.
و لقد جاءت الحرب الباردة بين قطبيها- المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، و الرأسمالي بقيادة أمريكا- و بالاً على الدول العربية، و نالت حظها من الاستقطاب المتكّئ على هذه أو تلك من القوى الأجنبية، فهي إما دول تدّعى أنها اشتراكية أو تقدمية حتى يأتي الروس لنصرتها، بجميع إفرازاتهم من ستالينية و أجهزة مخابرات و أطنان من الأسلحة ضئيلة الكفاءة و ارتباط اقتصادي و تجاري بالمعسكر الشرقي (مثل الجوعان الذي يعضّ ميتاً)؛ و إما دول متعاونة مع الغرب بدعوى الخوف على تقاليدها من زحف الشيوعية حتى يأتي الأمريكان لنصرتها، و أول شروطهم هي حماية إسرائيل (ظالمة أو مظلومة)، ووضع يدهم على موارد النفط والغاز، والتدخل فى كل كبيرة وصغيرة – كما كان الحال فى عراق نورى السعيد وإيران الشاهنشاه وباكستان أيوب خان.
و ما أن وضعت الحرب الباردة أوزارها بانهيار الاتحاد السوفيتي العظيم، حتى تهاوت (الديمقراطيات الشعبية) فى شرق أوروبا…. التي كانت تسمى هكذا كضرب من النفاق و سرقة الشعارات و ارباك الجماهير………تهاوت كأنها أعجاز نخل خاوية.
و تبعاً لذلك انهارت كل الدكتاتوريات في أمريكا الجنوبية التي كانت تقتات على خوف الأمريكان من المد الشيوعي، وذلك لأن الولايات المتحدة انطوت على نفسها مرة أخرى فيما يسمى “بالعزلة العظيمة” splendid isolation و تركت أذنابها في العالم كأيتام تقطعت بهم السبل وحار الدليل.
ولفترة بسيطة بعد نهاية الحرب الباردة ظن بعض المفكرين أن ثمة استقطاب جديد سيحل محلها، أسموه الصراع بين الحضارات؛ و قفز منظرون نصف كم ليفسروا ذلك بأنه مواجهة بين الغرب و الإسلام، و عشعشت في رؤوسهم أحلام الخلافة الإسلامية مجدداً، ومنهم من تقمص الدور بسرعة مذهلة و كون جيشاً مرتجلاً حسبه جيش محمد واستعصم به في تورا بورا و مرتفعات أفغانستان، مثل أسامة بن لادن و أيمن الظواهري وأيفاع طالبان الأعاجم.
أما أسامة فهو شاب سعودي ثري ومدلّل وضعيف الثقافة و مشحون بالملل و حب المغامرة ، كهؤلاء الصبية الذين يقودون سياراتهم بسرعة الطائرة في شوارع الجزيرة العربية، و لأنه واحد منهم فقد تمكن من تجنيدهم للمهام الانتحارية التي لا تختلف كثيراً عن القيادة الطائشة أو تسلق الجبال أو غير ذلك مما يذهب الملل. و هو كذلك نسخة أخرى من معمر القذافي الذي اخترع أكذوبة و صدقها، و الذي وجد في حوزته مليارات من الدولارات النفطية يتصرف بها كما يشاء، تارة لنصرة أيرلندا أو ثوار الفلبين، وتارة لتنظيم انقلاب هنا أو هناك.
أما نائبه الظواهري، فهو يحاول أن يغطي على خيبة يعرفها المصريون، فعندما كان في معتقلات السادات و بعد جرعة أولية من التعذيب أدلى بكل ما يعرفه من معلومات أدت لاعتقال و تصفية العديد من زملائه؛ و هو الآن أسير لعقدة ذنب، و العالم الإسلامي و العربي أسير لطيشه و جهله، وهو كذلك أسير لبن لادن كأهل العصابات الذين لا يعرفون الاستقالات.
و من ناحية موضوعية فإن العالم الإسلامي و العربي كله، و ليس طالبان وحدها، وقف كسيحاً و مهزوماً أمام دولة إسرائيل التي لا يتجاوز سكانها من اليهود مليون نسمة، و لقد فرّ العربان أمامها مدحورين عام 1948 و عام 1967، و ظلت باقية في الجولان السورية منذ أربع و أربعين سنة ما فتئ النظام السوري أثناءها يعد ما استطاع من رباط الخيل، و ظل أسداّ على الشعوب العربية و في الحروب نعامة: ففي تل الزعتر عام 1974 صفّى الجيش السوري أكثر من أربعة آلاف فلسطيني، و هذا العدد، بالإضافة للذين قتلهم الملك حسين في عمان و إربد في سبتمبر 1970، أكثر من الذين أودت إسرائيل بحياتهم منذ 1948 حتى الآن. ومن بين عشرات السياسيين والقادة السوريين واللبنانيين والفلسطينيين الذين اغتالتهم المخابرات السورية فى الأربعة عقود المنصرمة ليس هناك شخص أو زعيم صهيوني أو يهودي واحد.
و الدول الإسلامية و العربية كلها مرهونة للغرب في الوقت الراهن، و ليس لديها إلا اليد السفلى، و هي ممزقة عرضاً و طولاً، و لا يمكن أن تدّعى أنها ستكون ندًّاً للمعسكر الغربي، و رغم ثرواتها الضخمة ليس لديها الشوكة الاقتصادية التي تتمتع بها حاليا دول كالصين أو الهند، و حسب آخر إحصاء من نوعه فإن الناتج القومي الإجمالي للدول العربية بقضّها و قضيضها أقل من الناتج القومي لمملكة إسبانيا.
عموماً، ليست الصورة قاتمة تماماً كما قد يوحي كلامي هذا؛ فمن بين الركام قامت دول إسلامية ديمقراطية ناجحة مثل اندونيسيا و ماليزيا، ودلّلت على أن الديمقراطية تساعد على التقدم الاقتصادي و التحول الاجتماعي، دون التعارض مع أو الابتعاد عن القيم الدينية، طالما أن هنالك فصل تام بين الدين و الدولة، فالدين للإله و الوطن للجميع.
و السودان، على سبيل المثال أيضاً، له تاريخ راسخ في العمل الديمقراطي: فقد نشأت جمعية اللواء الأبيض في عشرينات القرن الماضي و فجرت ثورة 1924، و قام مؤتمر الخريجين عام 1938 الذي قاد حركة المثقفين و مجمل العاملين حتى الاستقلال، و تم تنظيم انتخابات ديمقراطية للبلديات في المدن الكبرى منذ الأربعينيات، و نشأت الأحزاب المتفرعة عن مؤتمر الخريجين في منتصف الأربعينيات.
و عرف السودان الحكم الديمقراطي من 1954 إلى 1958، و من 1964 إلى 1969، و من 1985 إلى 1989 عندما جاء النظام الحالي للسلطة عبر الدبابة، و طاب له المقام و ظل جالساً على أنفاس الناس منذئذ، وهو الآن يلملم عدده ويجهز حاله، فقد آن أوان الرحيل، إذ أن هذا التسونامي التحرري الذي يجتاح العالم العربي سيحط رحاله في السودان عما قريب، و ليس ذلك غريباً و لكن الغريب هو أن تصبح مصر وتونس وليبيا دولاً ديمقراطية….ويظل السودان يرزح تحت حكم العسكر (أحلال على بلابله الدوح….حرام على الطير من كل جنس!).
هنالك موجة ديمقراطية عاتية ستمسّ الجميع، وعندها سيكون العالم العربي قد أدرك سر النجاح، و تكون الوحدة الطوعية شعاراً جاذباً و ممكناً بين كل الدول العربية، بدءاً بشمال إفريقيا، وهي فى الحقيقة ضرورة اقتصادية و اجتماعية لا مفر منها في عصر التكتلات هذا.
و السلام.

(لقد تم نشر هذا المقال في الصحف الاسفيرية في ١ ابريل ٢٠١١ بعتوان، الديمقراطية عائدة بلا شك، ونعيد نشره الان.)