يناير 16, 2022 @ 19:44



مبادرة بعثة الأمم المتحدة في السودان والدروس المستفادة من فشل اتفاق 21 نوفمبر 2021

ياسر عرمان

* ترجمة للمقالة التي نشرت باللغة الإنجليزية في 12/ 1/ 2022م

منذ العام 1964م شهد السودان مبادرات عديدة كانت تهدف إلى إنهاء الحروب وتقوية عملية البناء الوطني وترقية الديمقراطية والوصول إلى مشروع وطنى يحظى بالإجماع الكافي.

ولكن كل هذه المبادرات ومشروعات السلام لم تجاوب على المسألة التاريخية للسودان ولم تؤدِ إلى ديمومة البناء الوطني وأشهرها إتفاق نيفاشا الذى نتج عنه تقسيم السودان بدلاً من الحفاظ على وحدته.

كل مبادرة تبعتها مبادرة أخرى وعملية سلام أخرى في دائرة لا تنتهي من إتفاقيات سلام فاشلة تؤدي مرة أخرى إلى الحرب وأنظمة ديمقراطية ذات حياة قصيرة تنزلق مرة أخرى نحو الديكتاتورية وديكتاتوريات تؤدي الى انتفاضات مثل مثل ما حدث في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 ولم نتمكن من مصالحة الديمقراطية والسلام في إطار واحد.

ثورة ديسمبر 2018 تمثل المحاولة الأكثر جدية لتحقيق قطيعة مع الماضي والوصول إلى منظومة إجتماعية اقتصادية ثقافية وسياسية ذات طبيعة ديمقراطية توفر إمكانية لإقامة الوحدة في التنوع.

ملايين من الشباب والنساء يشكلون ويمتلكون هذه العملية مصممين على بناء سودان جديد هو وحده القادر على إنهاء الأنظمة الشمولية للأبد وفتح الباب واسعاً لتطبيق شعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة.

ثورة ديسمبر هي عملية مستمرة من المقاومة تضم كافة أنحاء السودان ولم ترضخ للقمع الذي واجهته على مدى أكثر من عامين خصوصاً بعد انقلاب 25 أكتوبر.

في مقابل هذه الخلفية جاءت مبادرة بعثة الأمم المتحدة في السودان في مناخ معقد وبعد  فشل اتفاق 21 نوفمبر بين رئيس الوزراء السابق وقائد الانقلاب.

لقد ارتكب المجتمع الدولي خطأً فادحاً بمحاولته دعم عملية سياسية قائمة على اتفاق 21 نوفمبر الذي رفضته قوى الثورة ونظرت إليه على نحو واسع أنه يشرعن الانقلاب ولكي لا تلقى مبادرة بعثة الأمم المتحدة نفس المصير عليها أن تستفيد من دروس فشل إتفاق 21 نوفمبر.

أهم الدروس المستفادة من فشل ذلك الإتفاق، على مبادرة الأمم المتحدة أن تراعي كيفية تجاوب الشارع معها، الشارع الذي هو على استعداد للتضحية بحياته من أجل أحلامه، وللحصول على دعم الشارع فإن ذاك يتطلب أن تكون المبادرة جادة وفاعلة وتؤدي إلى عملية تكسر حاجز الجمود الحالي وتوقف القتل والقمع وتحيي الأمل لتأسيس عملية دستورية جديدة تطوي صفحة انقلاب 25 أكتوبر. إن ذلك يتطلب المشاركة النشطة والضغوط الفاعلة من شركاء إقليميين ودوليين.

في تنويره لمجلس الأمن في الشهر الماضي أقر ممثل الأمين العام بالسودان دكتور فولكر بيرتس بشجاعة بأن اتفاق 21 نوفمبر لا يتمتع بدعم واسع مما فتح صفحة جديدة للعلاقة بين الأمم المتحدة وقوى الثورة والتغيير وحفز بعثة الأمم المتحدة على الدفع بمبادرتها وعلى الرغم من ذلك فإن مبادرة بعثة الأمم المتحدة تواجه تحديات واسعة بدءًا من الغياب الكامل للثقة بين الأطراف لا سيما بعد عمليات العنف والقمع من أجهزة الأمن ضد المتظاهرين السلميين.

الفارق الواسع بين الرؤية السياسية للمنحازين للديمقراطية والعسكريين وهو تحدٍّ آخر، أضف إلى ذلك أن مبادرة بعثة الأمم المتحدة تعاني من انطباع ونظرة بمعسكر المدنيين أن البعثة الأممية لا تمتلك قوى من الضغط الكافي على العساكر ولذلك فإنها تحتاج إلى آلية رفيعة مكونة من شخصيات ذات وزن رفيع من الإقليم والمجتمع الدولي بإمكانهم التواصل مع قادة العالم ومؤسساته والتمتع بالضغط السياسي الكافي الذي يحدث الفرق.

صحيح أن هناك تحديات عديدة على مستوى العالم تتطلب الإنتباه من المجتمع الدولي من أوكرانيا إلى إثيوبيا، مع ذلك فإن المجتمع الدولي ليس بإمكانه تجاهل الحاجة إلى عملية سياسية فاعلة في السودان في هذا الوقت الحرج وإذا ما فشلت هذه العملية نتيجة لعدم توفر شخصيات فاعلة إقليمياً ودولياً وأدى ذلك إلى مزيد من عدم الاستقرار في السودان وهو في إقليم في الأصل مضطرب، فإن ثمن وضع الأمور في نصابها سيكون أكثر تكلفة غداً من اليوم وربما نفقد فرصة لا تتكرر عند كل جيل لأن يصبح السودان نموذجًا يُحتذى للانتقال المدني الديموقراطي في العالمين الأفريقي والعربي.

إن مبادرة بعثة الأمم المتحدة تحتاج إلى إجراءات صحيحة وعملية صحيحة لكى تنجح، ولقد ذكر دكتور فولكر بيرتس أن الهدف المعلن للمبادرة هو تسهيل إتفاق الأطراف السودانية في عملية يقودها السودانيون للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، وأنه سيبدأ مشاورات أولية مع الأطراف المعنية بالأزمة.

إذا أريد أن يكتب النجاح لذلك فمن الضروري التركيز في هذه المرحلة من العملية السياسية على الإجراءات أولاً، على الرغم من إدراكنا أن هناك  صلة جدلية وموضوعية بين الإجراءات والموضوعات، دون حل قضية الإجراءات على نحو صحيح فإن مبادرة البعثة الأممية غالباً لن يكتب لها النجاح في مخاطبة جذور المشكلة.

إن الخطوة الأولى يجب أن تكون تعيين  آلية رفيعة المستوى من شخصيات إقليمية ودولية موثوق بها.

إن الجانب الذي تم ظلمه والتجني عليه هو جانب المدنيين ومن الضروري الإنتباه إلى القضايا التي تشغل ذهن المدنيين، وكما نعلم فالعسكريين هم من قام بتغييب الجانب المدني كلياً عن المشهد في لعبة صفرية نتج عنها رد فعل قوي من الجانب المدني، ولكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوى ومعاكس في الإتجاه، ففي 25 أكتوبر حطم العسكريون الشراكة مع المدنيين وكذلك الانتقال الديمقراطي، وقاموا كذلك بتمزيق الوثيقة الدستورية وباعتقال رئيس الوزراء وشخصيات رفيعة من المكون المدني وقاموا بإغتيال النشطاء واعتقال المئات منهم وجرح أكثر من ألف في العاصمة الخرطوم وحدها. وكرد فعل لذلك اعتمد الثوار لاءاتهم الثلاث الشهيرة لا مساومة ولا تفاوض ولا شراكة. من الواضح من الذي يقع عليه اللوم ومن الذي بدأ هذه اللعبة الصفرية.

ولذا على أي عملية سياسية أن تتأكد من أن المدنيين يمتلكون زمام أمرهم وقادرون على تحقيق طموحاتهم التي يستحقونها بعد ثلاثين عاماً من الشمولية والإبادة والقمع.

مبادرة البعثة الأممية تحتاج إلى دعم جميع أطراف النزاع لا سيما الطرف الذي وقع عليه الظلم. وهذا  يعني تصميم عملية سياسية ذات أسنان وقدرة بحيث تأخذها الأطراف على نحو  جدي ويتم تنفيذ نتائجها النهائية لا سيما أن العديد من المواثيق والعهود قد تم نقضها.

بينما من الضروري أن يمتلك السودانيون زمام أمر هذه العملية ولكن من الواضح أنهم لا يستطيعون لوحدهم حل هذه الأزمة فالشقة من عدم الثقة واسعة بين الأطراف.

قبل الشروع في هذه المبادرة هناك أسئلة هامة تحتاج للإجابة حول كيفية تصميم العملية نفسها مثل من الذي يشارك من الأطراف الإقليمية والدولية في هذه العملية، لا سيما أننا لا نبدأ من عدم فهنالك بالفعل شركاء دعموا بنحو فاعل الفترة الانتقالية في السودان ولديهم منبر أصدقاء السودان الذي من المقرر أن يجتمع الأسبوع القادم في الرياض عاصمة المملكة السعودية وهذه فرصة جيدة لهذا المنبر لمناقشة كيفية دعم وتعزيز مبادرة البعثة الأممية.

بالنسبة لمشاركة الأفارقة علينا أن نتذكر أن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن الدولي كانا داعمين لتفويض البعثة الأممية في السودان لتعزيز السلام والديمقراطية ولذا لا يوجد تناقض في عمل البعثة مع مقولة (حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية) فالاتحاد الأفريقي داعم لعمل البعثة الأممية في السودان مما يوفر الإمكانية لكليهما للعمل في شراكة.

السودانيون سوف يتطلعون دائماً لدعم شخصيات رفيعة من البلدان الأفريقية ذات الأنظمة الديمقراطية المنتخبة مثل غانا وبتسوانا والسنغال وجنوب أفريقيا وكينيا.

مضافاً لكل ذلك فإن البعثة الأممية قبل أن تناقش القضايا الموضوعية وتلتقي بأطراف المصلحة لتبحث معهم الوصول إلى عملية شاملة وإيجابية تحتاج إلى وضع إجراءات بناء الثقة كأولية وعلى سبيل المثال لا الحصر وقف العنف ضد المدنيين ووقف الاعتقالات التعسفية وإطلاق سراح المعتقلين من الناشطين ورفع حالة الطوارئ وتكوين هيئة مستقلة للتحقيق في قتل أكثر من (60) من المتظاهرين السلميين وفتح  الجسور وتشغيل شبكة الإنترنت وحرية الإعلام والتجمع السلمي، إن الإتفاق على مثل هذه الإجراءات خطوة أولية مهمة لبناء الثقة بين أطراف العملية.

إن الشباب السودانيون تعلموا من تجاربهم المريرة ألّا مستقبل لهم تحت الحكم العسكري ويتطلعون إلى عملية سياسية جادة تستطيع على نحو جذري إعادة رسم العلاقات بين المدنيين والعسكريين.

بعد تجربة العامين الماضيين وعلى الأخص بعد الانقضاض على ساحة الإعتصام وانقلاب 25 أكتوبر فإنهم ما عادوا يثقون في فكرة الشراكة بين المدنيين والعسكريين كما جاءت في الوثيقة الدستورية لعام 2019 ولن يقبلوا مطلقاً لتلك الصيغة التي سادت قبل الانقلاب.

إننا نحتاج لنتعلم من دروس الانقلاب والفترة التي سبقته إن الأزمة الحالية ترجع إلى عام 1956 وإلى ما قبلها.

إن الوثيقة الدستورية ما عادت تعطي إجابات لقضايا اليوم ولكنها من المرجعيات المهمة وكذلك إتفاق جوبا للسلام.

إن أطراف هذه الوثائق تحتاج للتفكير خارج المألوف والتمتع بالشجاعة الكافية لتوليد الحلول التي تلبي تطلعات ثورة ديسمبر وهي حدث تاريخي ليس بإمكان أي أحد إغفاله.

إذا ما أراد السودانيون الخروج من الجمود السياسي الحالي فإنه من المهم التعلم من أخطاء الماضي لا سيما أخطاء الوثيقة الدستورية والطريقة التي صممت بها وهياكل الحكم الانتقالي حتى نخاطب النواقص ونوسع من نظرتنا في سبيل الوصول لمشروع وطني يحظى بالإجماع الكافي.

إن إصلاح القطاع العسكري والأمني يظل هو أكثر العقبات للدور المهيمن الذي يلعبه هذا القطاع فى حياتنا حينما يتعلق الأمر بالسياسة والاقتصاد.

الاقتصاد السياسي للقطاع العسكري والأمني يحتاج إلى سياسات تصمم بعناية وبصورة متدرجة خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية وبعدها، إن دمج القطاع العسكري الأمني في دولة ديمقراطية يتطلب إصلاحات واسعة في كافة مؤسسات الدولة والحياة السياسية متزامناً مع تقدم العملية الديمقراطية.

إن إدخال استقلالية القطاع العسكري في عملية الإصلاح المؤسسي الشاملة تحت قيادة حكومة ديمقراطية منتخبة يحتاج إلى زمن وعملية مستمرة من الإصلاحات الديمقراطية.

على كل فإن ذلك يحتاج أن نبدأ الآن برؤية واضحة ووضع سياسات وجدول زمني بما في ذلك تنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية لإتفاقية جوبا ومخاطبة جميع القضايا المتعلقة ببناء جيش مهني واحد بعقيدة عسكرية جديدة ويقبل التنوع السوداني.

ذلك يتطلب أيضاً سياسات فيما يتعلق بمشاركة الجيش في القطاع الاقتصادي بشكله الأوسع.

حينما يتم الحديث على أن تكون المشاركة شاملة يجب أن يتم التفريق بين المشاركة الشاملة اللازمة في هذا الوقت والتي يجب أن تضم قوى الثورة والتغيير والمؤسسة العسكرية كأطراف للنزاع في هذه الأزمة للإتفاق على عملية دستورية جديدة، وهي مختلفة عن المشاركة الشاملة للأطراف في المؤتمر الدستوري الذي ستشارك فيه أطراف قوى الثورة وأطراف النسيج الوطني الأخرى، ويجب عدم الخلط بين العمليتين وعدم الخلط بالنسبة للأطراف التى ستشارك في كل عملية.

أخيراً

يجب أخذ فرصة العملية السياسية الجديدة لضم الحركات غير الموقعة على إتفاق جوبا ومشاركتهم لرسم الوجه الجديد للفترة الإنتقالية عبر مبادرة البعثة الأممية، هذه فرصة لجعل السلام شاملاً.

من المقرّر أن تناقش القضية السودانية في أجندة مجلس الأمن الدولي وهذه فرصة يجب أن لا تضيع لإعطاء قوة دفع جديدة لمبادرة البعثة الأممية وتطويرها حتى تقود إلى مرافئ عملية سياسية جادة وفاعلة.

الخرطوم

12 يناير 2022م