يناير 16, 2022 @ 18:31



بالسلمية: معاً لدحر القتلة المرتزقة

خالد فضل

خلال الأيام القليلة الماضية، استمعت إلى تسجيل صوتي عبر الوسائط، يتحدث فيه أحد الأشخاص عن كيفية دحر الثوار وتفريق المواكب السلمية، تلك التي تقلق مضاجع القتلة والمرتزقة ممن يتسيدون الساحة الآن، يسندهم بعض ضيقي الأفق، من المغبونيين الذين دالت دولتهم وتضعضعت سطوتهم بفضل الثورة السودانية السلمية، ويتلصصون الطريق للعودة على أشلاء الثوار، ولكن هيهات!.

يقول ذاك القاتل اللعين في تسجيله: يجب استخدام أسلوب الصدمة الذي يستخدم في المعارك العسكرية ضد الجيوش المعادية؛ وهو إحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية في صفوف العدو في زمن وجيز، لذلك يرى خبير المجازر البشرية ذاك، أن يتم قتل أكثر من مائة متظاهر دفعة واحدة وإعاقة ألف منهم خلال 10 دقائق فقط، فهو يرى  أنّ قتل مائة دفعة واحدة أفضل من قتل مائتين خلال عشرة أيام، وفي رأيه أنّ تلك الخطة حال تنفيذها ستقود إلى تشتيت المواكب، وإصابة الناس بالهلع، فيلوذون بالفرار طلباً للنجاة، ومن ثمّ يسود الهدوء ويعم الاستقرار، ويهنأ الجلاّد بالحكم!.

كما اقترح صاحب ذلك التسجيل- بل تمنى لو أنّه كان مسؤولاً في عصابة (البرهان) طبعاً، اقترح أن يتم اعتقال قيادات الحزب الشيوعي، وإعدامهم أو إرسالهم إلى سجن في الصحراء، والسجن بدون أسوار- أي سورهم الصحراء كما قال- وبالتالي فإن ذلك المحرض الإستراتيجي يرى أن يكون حراس سجن الشيوعيين في الصحراء ابن آوى وقطيعه! وما فات عليه أنّ بعض الوحوش أكثر رفقاً بالبشر من بعض الوحوش التي في سمت بشر! وقد حكى أحد الضباط السابقين في مجازر التوتسي والهوتو في رواندا التسعينات من القرن الماضي، كيف أنّ قطيعاً من الضباع قام بمساعدة امرأة تحمل طفلها كانت تحاول نهش لحم جاموس نافق لتطعم صغيرها فتعجز أظفارها عن المهمة، لكن قائد قطيع الوحوش لما رأى حال تلك المرأة البائسة- رقّ قلبه- فنهر بقية القطيع عن الجيفة وصار ينهش هو ثمّ يرمي للمرأة بما نهش، قال ذلك الضابط إنّ ضميره استيقظ في تلك اللحظة وهو يراقب المشهد، فرمى البندقية التي كان يصوبها ضد أفراد قبيلة تلك السيدة، وانخرط في معركة السلام في بلاده حتى تحقّق لها ما تنعم به الآن.

الوحش السوداني الذي يطلق أحاديثه وتسجيلاته الصوتية تلك، وهو يقترح خطة القتل الجماعي والمجازر البشرية ضد المتظاهرين السلميين، ربما يعبر عن رأي يتم تداوله في أوساط عصابة القتلة المرتزقة من عناصر الانقلاب ومسانديه، وبتحليل فحوى خطاب ذلك المتحدث، لا يجد المرء صعوبة في تحديد وجهته، فالرأي القاتل هذا، تمّ اصدار فتوى (باسم الدين الإسلامي) من أحد دعاة الوحشية وأئمة الباطل وأبواق الاستبداد، ذاك الذي أفتى للمخلوع البشير بجواز قتل ثلث السودانيين من أجل استدامة سلطانه على الثلثين!! بل أنّ المخلوع نفسه كان قد خاطب ضباط الشرطة مستشهداً بالآية القرآنية ولكم في القصاص حياة؛ حاثا الشرطيين على الاقتصاص من المتظاهرين، والقصاص كما شرحه يعني- القتل-.

لابد من ملاحظة تنامي خطاب الوحوش هذا خلال الأيام الفائتة، فكلما اشتدّ أوار المواكب السلمية، وسمت أرواحٌ نبيلة من الشباب والشابات وتدفق الدم والدمع بجسارة، وقدّمت الشوارع مع كل موكب ضرباً جديداً مبدعاً ومبهراً من فنون وأدوات التعبير السلمي، ومع ارتقاء الشهداء وارتقاء وسائل التعبير السلمي المفعم بالوعي، زادت وتيرة الهلع والجنون، وطغت على خطاب القتلة والمرتزقة والمأجورين السفلة لغة التبخيس والكذب المفضوح، ولعل بيانات الشرطة تحمل طابعاً ينم عن نيّة مبيتة لارتكاب المجازر، فالإشارة إلى حياد المواكب عن السلمية يعني مباشرة التمهيد لتبرير ارتكاب الفظائع ضد المتظاهرين، هذه ممارسات عتيدة وقديمة لم تعد عملتها متداولة في فوران الثورة السودانية، فهي ثورة تُضرب بها الأمثال على نطاق العالم بسبب سلميتها؛ واستشهد بها الرئيس الفرنسي ماكرون في خطاب وجهه للمتظاهرين من عناصر السترات الصفراء، نبههم للتعلم من شفاتة السودان وكنداكاته في كيف يكون التعبير سلمياً وراقياً ومبدعاً ومفعماً بالمشاهد والمواقف الإنسانية باذخة الدلالة على عظمة هذا الجيل من السودانيات/ نيين.

وعلى طريقة بيانات الشرطة يكتب بعض سدنة النظام المباد من (الكيزان) وفي منشوراتهم التحريض على قتل المتظاهرين بحجة (لا سلميتهم)، بل أنّ بعضهم يأسى لإصابة بعض أفراد الشرطة دون أن يترحم على أرواح الشهداء!! وليس هذا بغريب على هذه الفئة الضالة من أبناء وبنات بلادنا، فصاحب التسجيل المار ذكره يقول بالحرف (لا يجب الحديث عن دين وحرمة النفس أو القيم الأخلاقية) فعندما يتعلق الأمر- في رأيه- باستقرار البلد ينبغي أن تركل مثل تلك الأحاديث جانباً!! هكذا سادتي/ سيداتي، يرى ذلك الشخص السوداني ألاّ قيمة للدين وحضه على حرمة قتل النفس، ولا قيمة للأخلاق، فمثل هذا الشخص وأضرابه يمثلون البلاء الذي حاق بالبلاد، فيجب التنبّه لمثل ما يثيرون.

السلمية هي سلاح الأنقياء أصحاب القضايا الكبرى، هي خطة غاندي التي دحر بها سطوة التاج البريطاني في الهند، بها انتصر مانديلا على بغضاء التفرقة العنصرية ونظام الأبرتايد في جنوب أفريقيا، وهي بعد خطة الرسل والأنبياء فالمسيح عيسى بن مريم عليه السلام كان داعية السلمية والتسامح، نبي الإسلام محمداً طبّقها في ممارسة دعوته حتى عمّ نور الإسلام الصحيح الأرجاء، فيما الوحشية هي حيلة الضعفاء الجبناء أصحاب المصالح الأنانية الضيقة، والصراع مستمر بين دعاة الحق وأعوان الباطل، لكن الغلبة في خاتمة المطاف للحق، فالباطل مهما طغى وتجبّر إلى زوال، وقد زال طغيان الإسلاميين وبطش البشير وقهر الإنقاذ بعد أن بلغ السماء عتواً وملأ الآفاق جوراً وقهراً، انهار بفضل السلمية بفضل قوة الحق التي ينطلق بفضلها ذاك الألق والفن والإبداع الإنساني الوطني البديع الذي اسمه ثورة شعب أقوى والردة مستحيلة.