نوفمبر 29, 2022 @ 6:49



بقلم: عثمان قسم السيد

تقول الحكاية إن الخليفة الراشد علي بن ابي طالب مر بقرية، فسأل عابر سبيل فيها عن رأيه بأهلها، فقال «إنهم قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر، يؤدون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، فقال له الخليفة «صدقت». ومر بأخرى فسأله ما سأل الأول، فقال «انهم أهل فسوق ومجون، يرقصون ويغنون آناء الليل وأطراف النهار، وليس لهم من دنياهم الا المتعة والطرب». فقال له الخليفة «صدقت». فسأل واحد من مرافقي الخليفة «فكيف يا أمير المؤمنين ترى الصدق في هذين الرجلين معا». فقال الخليفة «كلاهما صادق، لأنه رأى في القرية ما يراه في نفسه».

بمقدمة هذه القصة لسيدنا على رضى آلله عنه أريد أن أوضح بأن إصرار محامى الدفاع فى جلسات محاكمة المخلوع البشير وزمرته حول تحويلهم بأقصى سرعة إلى المستشفيات الخاصة ذات الخمسة نجوم ألتي تتوفر فيها صالات سباحة ورياضة ومساج والخ كمستشفي عليا التخصصي ومستشفى الأمل الوطنى ومستشفى الشرطة والسلاح الطبى لاستكمال اجازتهم المريحة ألتي قطعها وعكر عليها العسكر بتحويلهم وإعادتهم لمكانهم الطبيعى ” سجن كوبر ” .. مستشفيات لايستطيع حتى المواطن البسيط الولوج إلى أبوابها ناهيك عن تلقى العلاج بها….

مشاهداتي لجلسة المحاكمة الهزلية والمدعاء للضحك والسخرية حول مجريات سيرها واستماتت محامى المخلوع وأعوانه على إخراجهم من جحيم كوبر مقرهم الطبيعي كمجرمين ومتهمين وسجناء إلى رحاب مستشفيات خمسة نجوم بقوة إستغلال مواد القانون وضعف قاضى الجلسة الذى يبدوا عليه الخوف وعدم الهيبة لضبط جلسات المرافعة وظهور الجلسات كأنها جلسة فى أحد المقاهي الشعبية وليست جلسة يحاكم بها أشخاص متهمين بارتكاب أبشع الجرائم ألتي مرت على تأريخ السودان…

ولا خلاف على ان الرئيس المخلوع وأعوانه ارتكبوا من الجرائم ما يكفي لإعدامهم مليون مرة، مثلهم مثل طغاة أحياء وأموات كثيرين (ليس أولهم الجنرال بينوشيت، الذي جاء الى السلطة في تشيلي محمولا على أكف «سي.آي.إيه»، عام 1973، وليس آخرهم جنرالات بورما وبنما والارجنتين وبوليفيا، وغيرهم الكثير).

الا ان السؤال الحقيقي ليس هو ما اذا كان يجب إعدام البشير وأعوانه أم ابقاؤهم أحياء ، وانما ان يحدد المسؤولون عنهم، العسكر والسياسيين السودانيين والمجتمع الدولى، ماذا يريدون من محاكمتهم.
يمكن لمحاكمة البشير واعوانه ان تكون انتقاما مجردا، للتعبير عن كراهيات شخصية له ولنظامه. والانتقام والكراهية جزء من الطبيعة الإنسانية، كما انهما شغلا مثل الكثير الصفات المتدنية، حيزا مهما في «الحياة السياسية» السودانية، وكانت، على هذا الأساس، حياة قتل وسلخ وذبح واعمال تعذيب.

من المفيد، على هذا الأساس، ان يخفض المرء سقف توقعاته. لا لشيء ربما، الا لان السودانيون سودانيون في النهاية، وهم شعب ليس معروفا عنهم انهم يميلون الى فض نزاعاتهم السياسية بالتصويت في صناديق اقتراع، او انهم اذا اختلقوا لا يتضاربون بالكراسي. ومن الموضوعي القول انهم لم يبلغوا بعد من الرفعة الأخلاقية ما يكفي لان يتحول الساعون فيهم الى السلطة الى ما لم يكن مألوفا فيهم. حتى اذا ما وضع أولئك الساعون في سياق اجتماعي زادته الدكتاتوريات العسكرية تمزقا وحطاما أخلاقيا، وحتى اذا ما وجدوا أنفسهم محمولين على كف التناقض المفجع بين الدبابة والديمقراطية، فان سقف التوقعات يجب ان ينخفض كثيرا الى حد يجعل من المشروع تماما التساؤل: كيف لم يتم إعدام البشير وأعوانه بعد؟ وما الحاجة الى تجشم عناء محاكمتهم؟ وما الغرض وراء إطالة جلسات محاكمتهم ألتي استمرت 3 أعوام بدون إصدار حكم شافي وعادل ينصر المظلومين والأبرياء وأهالي المجنى عليهم من جميع بقاع السودان ؟

ولكن بما اننا جئنا الى هذا الحال على محمل زعم مختلف، لبناء شيء مختلف، فان السؤال: «ما هو المطلوب من محاكمة البشير وأعوانه»، لأن ذلك أمر مصيري بدرجة تكفي للقول انه سيقرر ليس مستقبل السودان وحده، بل ومستقبل المنطقة بأسرها. فانطلاقا من المثال المحتمل، لنزاهة العدالة وتجرد القانون، لعله سيكون ممكنا تصور ان أبجديات الثورة التي أطاحت بالبشير وأودعته زنزانة سجن كوبر ، يمكن ان تنبت في أخلاقيات طبقة سياسية تحكم السودان اليوم ، تستطيع التغلب على تفاؤل الثورة وتشاؤم التاريخ، للقول، على الأقل، انها ليست بالضرورة طبقة فاسدة كالتي سبقتها مع أن الطبقة الحاكمة اليوم فى السودان بدأت تفوح منها رائحة الفساد ألتي كادت أن تزكي الأنوف….

يمكن لمحاكمة البشير واعوانه ان ترسي أساسا لبناء دولة قانون، تتحول فيها علاقات السياسة الى علاقات مؤسسية محكومة بقواعد وضوابط واخلاقيات لا تجيز، في الأقل، لأولئك الذين يتربعون على عرش السلطة اليوم ان يمارسوها جزافا، ولا ان يستغلوها لاغراض ايديولوجية، او لاغراض نفعية خاصة بهم. وتعلمهم كيف يمارسونها بتواضع شخص تخضع أفعاله للتدقيق والمراقبة والمساءلة.

كما يمكن للمحاكمة، أيضا وأيضا، ان تكون مدرسة للسودانيين أنفسهم لتعلمهم معنى احترام القانون، عندما يُثبت لهم القانون نفسه انه، بتجرده وموضوعيته، يستحق الاحترام وان مؤسسته سيدة نفسها، وانها ليست مطية لأهواء أحد.

ساعتها فقط، سيكون الحكم باعدام البشير وأعوانه ، اعداما حقيقيا، ليس لأشخاصهم ، بالمعنى الجسدي، بل لكل ما كان يمثله نظامهم من تسلط ووحشية.

اعدام النظام السابق، لا اعدام البشير هو ما يجب ان يكون جوهر المحاكمة وغايتها الرئيسية. اعدام لغة القهر والعنف. اعدام للخوف. اعدام للرأي الواحد. اعدام لثقافة الحزب الواحد. اعدام لمفهوم «الرئيس القائد » و«الخالد»و«قائد ومفجر الثورة» و «وغيرها من الشعارات الباهتة ألتي تلمع وتجمل المسؤول على حساب الدولة»و اعدام لسياسات التهجير القسري والقتل الجماعي وإعدام لسياسة قتل المدنيين والطلاب وسجن الصحفيين والكتاب والمعارضين . إعدام لسياسة الفساد واستغلال موارد البلد وتهريبها للخارج وباختصار اعدام لكل ما كانت تمثله الديكتاتورية.

بهذه الوسيلة، وحدها، يمكن ضمان الا يتكرر ماضيها وجرائمها، وليكون في وسع المجتمع السودانى، ومجتمعات المنطقة وأفريقيا بأسرها، ان تطوي مرة والى الأبد، انظمة التسلط والطغيان والعنف.

وهكذا، فان الفرصة التي تقدمها محاكمة المخلوع البشير واركان نظامه تاريخية وحاسمة ولن تتكرر أبدا.

لا احد يستطيع ان يلوم أولئك الذين يكرهون البشير ونظامه كره العمى. الكراهية حق مشروع لكل الضحايا الذين سامهم النظام السابق سوء العذاب. ولكن الكراهية شيء، والقانون شيء آخر.

ضحايا أعمال التهجير القسري والإبادة والتعذيب والسجن والاعتقال والقتل والحروب والتشريد والتمكين والفساد قد يشفون غليلهم اذا رأوا البشير وأعوانه يُعدمون، الا انهم لن يحصلوا على أية ضمانة بانه لن يقتحم طاغية آخر عالمهم ليكرر الجرائم نفسها.

والقانون والديمقراطية هم السـبيل الوحيد لتوفير تلك الضمانة.

ولكن بيئة الكراهيات والاعتبارات والمنافع الشخصية التي ما تزال تحرك الكثير من الذين يمثلون أدوارا كوميدية على مسرح السياسة السودانية فى الراهن، لا تقدم وعدا بشيء يستحق حتى عناء الأمل. وبما ان سقف التوقعات يجب ان يظل منخفضا جدا، فان النصيحة الوحيدة التي قد يجدر الإصغاء اليها هي
: اعدموهم بصمت. اقتلوهم تحت التعذيب وقولوا انهم ماتوا عندما تم إنعاشهم داخل غرف العناية المكثفة المريحة فى مستشفيات علياء والأمل التخصصي. فهذا ارحم، وقابل للتبرير، مليون مرة اكثر من ارتكاب محاكمة ـ مهزلة.

osmanalsaed145@gmail.com