سبتمبر 26, 2022 @ 17:08



بروفيسور علي عبد القادر.. الأكاديمي المنتمي بلا مواربة للفقراء وبلدان الجنوب

ياسر عرمان

ياسر عرمان

غادر عالمنا في هدوءٍ بمدينة القاهرة البروفيسور الجليل علي عبد القادر، الإنسان، العالم، الزاهد والوطني المنتمي بلا مواربة للفقراء والمدافع عن حقوقهم في بلاده وبلدان الجنوب.

رحل علي عبد القادر في زهدٍ مستمدٍ من القباب الشامخة ومن إله المعرفة القديم اباداماك الذي ما عاد يُعلن عن نفسه للآخرين برغم أنه خازن العلوم والمعرفة على أعتاب مروي والمقرة والبجراوية عند شندي التي من أنحائها سجل بروفيسور عبد القادر حضوره.

التقيته في أوقات متفرّقة وفي أحداث صدفية بحتة، لكن خلال أربع سنوات من 2014- 2018م حُظيت بالتعرّف عليه عن قرب من ضمن فريق كبير عمل تحت قيادته وهي المجموعة التي أنجزت مشروع السياسات البديلة (نحو عقد اجتماعي اقتصادي ثقافي سياسي جديد) في مبادرة من الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال، وبدعم من أصدقاء التقينا بهم في ورشة دعت إليها جامعة هارفرد الأمريكية في أبريل 2012م.

كان هذا الاجتماع محفّزاً للحركة الشعبية للعمل مع مجموعة من الخبراء والمهتمين من خلفيات فكرية وثقافية متنوعة، وقد قاموا بكتابة وثيقة مرجعية تحوي ذلك البرنامج الجديد.

هذا وقد ترأس بروفيسور علي عبد القادر مجموعة الخبراء والمثقفين والأكاديمين، وطلب عدم تضمين اسمه في الوثيقة، رغم أن الوثيقة لم تكن لتُنجز دون خبرته وعمله المتصل والتزامه الصارم.

شارك في كتابة الوثيقة خبراء في القانون الدستوري وحقوق الإنسان والحقوق المدنية والحكم والسياسة الخارجية والترتيبات الأمنية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية وقضايا الثقافة والهوية.

هذا وقد تم تصميم برنامج الوثيقة انطلاقًا من رؤية السودان الجديد والمصالح الجمعية للسودانيين والسودانيات خاصةً الفقراء والمهمشين منهم.

تهدُف الوثيقة للمساعدة في الوصول إلى قدرٍ كافٍ من الإجماع حول مشروع البناء الوطني الذي بإمكانه أن يُوقف التدهور وانحدار السودان نحو الفوضى والتفكّك وينهي الأوضاع الكارثية في جميع أنحاء البلاد بتغير الاتجاه الحالي والتوجّه نحو عقد اجتماعي جديد.

لعب بروفيسور عبد القادر دوراً محورياً في هذا المشروع الذي عقد خلال أربع سنوات لقاءات مطولة في هلسنكي وباريس وكيب تاون بجنوب أفريقيا عند رأس الرجاء الصالح ودار السلام تنزانيا.

وقد شارك في هذه اللقاءات الأساتذة عطا حسن البطحاني وأنور الحاج وهو من رشح بروفيسور عبد القادر أستاذه السابق لترؤس هذه المجموعة والنور حمد وفيصل مصطفى ومنتصر الطيب وإبراهيم طه أيوب وكمال الجزولي ومالك عقار وعبد العزيز الحلو ومصطفى الشريف ونصر الدين عبد الباري ومحمد إبراهيم خليل ورشيد سعيد يعقوب واللواء علي التجاني وعمر شركيان ومنعم رحمة وياسر عرمان وآخرين فضّلوا عدم ذكر أسمائهم.

اكتمل هذا المشروع وصدر في كتاب باللغتين العربية والإنجليزية في أغسطس 2018م، وقد تولّت السيدة استر اسبريغ مهام السكرتارية والتنسيق بين كافة المشاركين.

بروفيسور عبد القادر كان أحد الناطقين الحقيقيين باسم صعود الأكاديمين السودانيين نحو القمم والمجودين لعلومهم في مختلف الحقول، وقد أضحى غيابهم عنواناً مضاداً لما أصاب حقل التعليم من تدهور، ولقد كان سلطةً مضادةً في الحقل الأكاديمي ضد التدهور وقد عبر كثيراً عمّا هو غير مألوف وخارج السياق سيّما في مناهج وأنماط التنمية ومؤسسات التمويل الدولي.

بروفيسور عبد القادر كان يحوِّل قضايا العمل الصعبة إلى متعة مليئة بالقفشات والنكات عن مفارقات الحياة الاجتماعية في السودان ولَم يكن ذلك يقلِّل من جديته في عمله، هو بحق أكاديمي متميّز ووطني صميم ذو رؤية واضحة.

لقد حرم النظام البائد أجيالنا الشابة من التعرّف على كثيرٍ من العقول الوقّادة والنيّرة والعلماء الرصينين، قد كان علي عبد القادر مثالاً ساطعاً لهؤلاء.

ألا رحم الله بروفيسور علي عبد القادر وأنزله منزلة الصديقين والشهداء والعزاء لزوجته وبناته وأبنائه وأصدقائه وأهله ومعارفه الكثر.

إنا لله وإنا إليه راجعون

الخرطوم- السبت 24 سبتمبر 2022م