سبتمبر 28, 2022 @ 13:26



المجتمع الدولي وشرعية القتلة

خالد فضل

الزيارات الأخيرة لقائد انقلاب 25 اكتوبر 2021م في السودان، تشير في جانب منها إلى اضفاء نوع من الشرعية على الانقلاب باعتباره حكومة أمر واقع، وهي الفرية الدبلوماسية التي يتستّر بها المجتمع الدولي وهيئاته المختلفة في تعاملها مع أنظمة الحكم الديكتاتورية التي تُمارس أقصى درجات الانتهاكات ضد شعوبها، وباعتبارها تفرض سيطرتها على الرقعة الوطنية المحدّدة دون تهديد حاسم لسلطتها.

هذا هو معيار القبول بالأمر الواقع في عُرف علاقات الدول والهيئات الدولية بالأنظمة الحاكمة، غض النظر عن طبيعتها، فمثلاً نجد أنّ مجلس حقوق الإنسان؛ وهو أعلى هيئة دولية معنية بمراقبة ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان ويتبع للأمم المتحدة، وهناك آليته المشهورة والمعروفة بآلية المراجعة الدورية الشاملة، هذا المجلس يعرِّف نفسه بأنه أداة تعاونية دبلوماسية حكومية، مثلما نجد أنّ المحكمة الجنائية الدولية (ذات نفسها) كما يقول الصديق المحامي الأستاذ ساطع الحاج؛ تنحى نفس المنحى، بمنطق أنّ سُلطاتها تُمارس عبر حكومات الدول المختلفة، ولهذا نجدها تطلب إلى دولة تشاد مثلاً إلقاء القبض على البشير عند زيارته لها، أو تُناقش موقف جنوب أفريقيا في مخارجتها للمطلوب لديها عمر البشير.

هذا نموذج فقط لتعامل هذه الهيئات الدولية مع القضايا المُثيرة للقلق عند الشعوب الضحايا لممارسات حكامها الديكتاتوريين المستبدين، ومع سجلاتهم الحافلة بالاشتباه في ضلوعهم في أفظع الانتهاكات ضد حقوق شعوبهم المكلومة، وهو إلى ذلك أمرٌ مهم لفهم مستقبل عملية المقاومة لسلطة الانقلاب وتوقعات ردود الفعل الخارجية ودرجة مساندتها لمطالب الثوار العادلة.

نعم، زار قائد الانقلاب بريطانيا مشيعاً للملكة اليزابيث الثانية، تلك الملكة التي حُظيت باحترام ومحبة شعبها البريطاني وشعوب دول الكومنولوث، ونقلت الفضائيات الدولية تلك المشاعر العامرة بالحزن والمُفعمة بالمحبة للملكة الراحلة، والسبب بسيط للغاية؛ وهو أنّ الملكة الراحلة تُمثّل رمزية التاج ولا تحكم، وهي إلى ذلك أدت دور الرمزية بكفاءةٍ واقتدار جعلها تُشكّل للشعب البريطاني خاصةً رمزاً حقيقياً، فالشُعوب التي تحكمها الملكيات الدستورية تتمتّع بكامل حقوقها في حكم نفسها بنفسها وفق النسق الديمقراطي الأصيل، فيما هناك الملكيات الشمولية مثلها مثل الجمهوريات البئيسة والانقلابات الكبيسة والثورات التعيسة.

ضمّ التشييع الملكي الدقيق والمرتب أنماطاً من الحكام، ارتدوا البزات السوداء لون الحداد إلا واحداً جاء بالأزرق!! سافر تمطو به الجو ذات ألواح، وجموع المشيعيين للشهداء لا تنفض في مقابر بُري حيث مقبرة الأطفال إلّا لتلحق بتشييع شهيد جنوب الحزام، ومن ود العباس إلى نهر النيل مروراً بالحصاحيصا وبحري وأم درمان وشرق النيل، وغربه تمتد القبور تضُم في لحودها شباباً وشابات في ميعة الصبا وريعان التفتّح والانطلاق، لكن قائد الانقلاب لا يُعزي في هؤلاء، وكيف يُعزي فيهم وهو المسؤول الأول عن قتلهم، قال في معرض رده على سؤال صحيفة “الشرق الأوسط” قبل بضعة شهور (إنّ من يقتل الشهداء طرف ثالث)، وقال عن لجان التحقيق التي لا تنتج تقريراً واحداً في مقتلة شاب/ ة واحد/ ة في شوارع الخرطوم (إنّ اللجان لا تصل لنتائج لأن الجميع غير متعاونين).

بئس الحاكم الذي يتنصل هكذا وببرودٍ شديد عن أهم مسؤوليات الحكم ثم يرتدي البدلة وربطة العنق ويخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفته حاكماً للشعب الذي لا يعرف من يقتل أبناءه في الطرقات، ولا يعرف من الذي قتل مئات منهم في عقر داره بالقيادة العامة لقوات الشعب المسلحة الباسلة العظيمة حامية الحمى و و و و وكما تقول الأساطير!! وقائد هميم منها يقول للصحفيين حدث ما حدث، وما حدث مجزرة بشِعة لم يقع مثلها في عهد التركية السابقة والمهدية التالية والإنجليزية الخالفة، ولكن للأمانة حدث ما حدث وكثيرٌ جداً في عهد الإنقاذية العائدة!!!.

الأمم المتحدة التي تُنفق على مهمة موظف كبير فيها ملايين الدولارات سنوياً، ثم تستمع كل حين إلى إحاطته حول سير مهمته، عثراتها وعوائقها، مجراها ومرساها، ثم تصمت حتى موعد الإحاطة التالية، بينما إعلام الانقلاب- تُقرأ- إعلام الإنقاذ، ينشُر في تصريحات زعيم الكيزان في سلطة البرهان وأذناب الكيزان من شلة (أهل السودان) وهي تكيل الهجوم على السيد فولكر لمجرد إفادة منه تشير إلى ما لا يُرضي الطغاة، فهو يتدخل في الشؤون الداخلية، وعندهم منحاز، ويسعى لإعادة المجلس المركزي للحرية والتغيير للسلطة، وغيرها مما يثيرون من غبار، هذا السيد غير مرغوب فيه ويجب طرده كما يقول بعضهم من ذوي الروح الوطنية والسيادة الوطنية العالية التي تسمح لهم برؤية الآليات الشرطية والعسكرية تدهس في الوليدات والبنيات في شوارع الخرطوم، ويكون البيان الرسمي الكذوب- سبب الوفاة حادث سير- هؤلاء السادة والسيدات جنرالات وجنرالات في ثياب مدنية ومُحرّضون استراتيجيون ينعقون في الفضائيات، جميعهم يذرفون الدموع ويولولون بالسيادة الوطنية التي يمرمطها تقرير السيد فولكر، ولا يهيجها ولو للحظات صراخ الصبايا وزخات البمبان والرصاص في الصدور الشابة المقاومة، السيادة الوطنية عندهم مصالحهم ووظائفهم ومليارات الرشاوى وتصديقات استيراد السيارات بدون جمارك على إيقاع سلم اتفاق جوبا المشؤوم، المُعتقلات تملأ وتفرغ لتملأ من جديد إثر كل مليونية في شارع الستين أو المؤسسة بحري أو شارع الشهيد عبد العظيم، والسيادة الوطنية سليمة ولله الحمد، فقط يخدشها إفادات السيد مبعوث الأمم المتحدة ولغته الدبلوماسية التي تناشد بتخفيف استخدام العنف ضد المتظاهرين!!.

والأمم المتحدة تدعو قائد الانقلاب ليتحدث عن دولة الواق الواق، لأنّ الحديث عن السودان تقول به شوارع نيويورك بالمليونية الصاخبة التي تهز الضمائر الحية وتُعلن للعالم كافة أن شعباً بهذا العنفوان لن يموت، وجيلاً بهذه البسالة لن يُفرّط، ووطنٌ بهذه الحيوية لن يخمد ويستكين للقتلة المجرمين، هذا عهد الثوار مع رفاقهم الشهداء، والفجر قريب بأكثر مما يتصوّر الوالغون في الدماء، ويا المجتمع الدولي “كتر خيركم الفيكم اتعرفت”، “يلا عبوا ضراعكم يا رجّالة ويا كنداكات وشفاتة” في تخريج طفيف لقول حميد الشفيف.