سبتمبر 26, 2022 @ 17:04



بكري الجاك

الكاتب الروائي الالماني بيرهارد شلنك Bernhard Schlink اصدر روايته The Reader في عام 1995 و برغم أن الرواية وجدت رواجا معقولا في حينها الا أن الفيلم الذي بُني علي نفس احداث الرواية و بنفس العنوان في عام 2008 قد اعطي رواجا واسع النطاق للقصة التي في حقيقة الأمر بنيت علي مقاربات لاحداث و شخصيات حقيقية ابان فترة النازية و الحرب العالمية الثانية. في الفيلم الذي اخرجه ستيفن دالدري Stephen Daldry و كتب السينارست ديفد هارا David Hareو بطولة كل من المخضرمة كيت وينسلتKate Winslet و ديفيد كروس David Cross، حيث لعبت وينسلت دور امرأة بسيطة و أمية و قد تم تجنيدها للعمل في جهاز ال Schutzstaffel و الذي اشتهر بال SS او ما يمكن ترجمته للانجليزية بال Protection Squad او مجموعة الحماية، و هذا الجهاز كان بمثابة العقل الأمني و الاستخباراتي للنازية و لعب دورا شنيعا في اجادة القتل و السحل و التعذيب الذي طال اليهود و مجموعات ال روما و المثليين و غيرهم، و لعب كروس دور شاب مراهق تعرف علي وينسلت و اكتشف معها عوالم الرغبة الجامحة.

و بالرغم من أن في الفيلم قصة غرامية و احداث درامية الا أن ما يهمني في هذا السرد هو الحوار الذي دار بين القاضي في محاكمات نورنبيرق التي حوكم فيها عدد من الذين كان من ضمن السلطة النازية و خصوصا اعضاء و عضوات في ال SS و بعد ادلي احد الشهود بشهادته قائلا بأن كيت ونسلت كانت تقوم بجمع بعض صغار ابناء اليهود المعتلقين في معساكرات المحارق و تعاملهم بطريقة خاصة و لطف و حميمية و تطلب منهم أن يقرأو لها في المساء و عندما يأتي دور هؤلاء الاطفال في الذهاب الي ما عرف بالGas Chambers او محارق الغاز حيث سيقتلون بطريقة الحرق التي تحيل اجسادهم الي محض رماد و ذلك بقصد تجويد فن القتل و البراعة في تخفيف كلفة التخلص من الجثث و ايضا لاخفاء اثار الجرائم، و بعد أن تلي الشهود تلك الوقائع و أن شخصية كيت ونسلت كانت لا ترتبط عاطفيا باي من الاطفال الذين يقرأون لها و انها لا يرف لها جفن حين قتلهم حيث كانت تقوم مباشرة بتبني مجموعة أخري من الاطفال، في الحوار سأل القاضي أن كان ما قال به الشهود صحيح؟ فكان رد كيت ونسلت Do you mean I shouldn’t have worked for Siemens? اي هل تقصد أنني ما كان ينبغي علي العمل في شركة سينمز سيدي؟ و سيمنز هي مكان عملها الاول الذي منه جُندت الي المشاركة في فظائع النازية. بالطبع ذُهل القاضي و المحامين و طلاب القانون، الذين كانوا برفقة حبيبها المراهق كروس الذي صار استاذا للقانون، و بقية الذين كانوا يحضرون المداولات ربما من أمرين : أولا مدي بساطة و جهل هذه المرأة التي لم تمكنها معرفة عمق و بشاعة ما تفعل، و ثانيا مدي برودها حيال فداحة ما تم و ما شاركت هي في صنيعه.

حيال ما يحدث في بلادنا اليوم من كوارث و ما يحيط بها من مخاطر، و ما يحدث للحراك الثوري من تشرزم و تكالب وتسطيح، اجد أن خير وصف للخطاب السياسي لجل الفاعلين السياسيين في الوقت الراهن و ان تباينت تصوراتهم و دفوعاتهم عن مواقفهم و ادعاء هم جميعا بالتفوق الاخلاقي في خياراتهم وفي فهم ما هو افضل للشعب السوداني، اجد ايضا أن الموقف من ازاء هذه التحديات هو هذا الخطاب السياسي في كلياته و هو يماثل في فداحته قول كيت وينسلت للقاضي: هل تقصد أنني ما كان يجب علي أن اعمل في سينمز؟ و هو كأن يتكبد البعض مشاق المعرفة و البحث و العمل الميداني و الذهني علي أمل ان تستشرف افق جديد و انتاج معرفي و أن تأتيك حفنة من طينة شخصية وينسلت لتقول بكل بساطة حتي دون محاولة الفهمو التأني أن هذا “ كلام ساي و وو الخ الاوصاف” و هي فداحة لا تقل عن التقاصر في فهم هذه التحديات و التعاطي معها بشيء من دقة في التحليل و التصورات المنطقية التي تنتج رؤية بآليات قابلة للتنفيذ.

و للتدليل، هنالك مخاطر جمة ليس بي حاجة للتذكير بها في شأن البلاد، و علي سبيل الذكر من بين هذه المخاطر حالة اختطاف الدولة و استغلالها كواجهة، الانهيار الاقتصادي الشامل، شبح الحروب الاهلية الماثل، تهتك النسيج الاجتماعي، توقف الحياة المدنية بالكامل، غياب الأمن و الخوف الذي يعتري الجميع، اصرار المجتمع الدولي علي حلول سريعة، وفوق ذلك شبح المجاعة الذي اصبح واقعا عمليا و ليس مجرد تحليل و تقديرات و احصاءآت، فقط تحسسوا من حولكم.

علي مستوي الحراك الثور هنالك تحديات جمة منها الذاتي المتمثل في الصراع حول المشروعية الذي من الأولي أن يقود الي تصورات حول تفاهمات تأسيسية لحد أعلي، الا انه يقود الي سباق نحو الحضيض قائم علي الاحقية الثورية و ادعاءآت عن مدي اخلاقية بعض الفاعلين و المبارزة و المباهاة بالاسهامات النضالية، حالة التشظي و الاحباط، و من ثم انحطاط الخطاب السياسي الي مستوي يجعل من غير الممارسين للسياسية أكثر وهدا فيها بعد ان كان حراك ديسمبر هو بمثابة فتح الباب للدخول في صناعة القرارات العاملة بالاصالة و المشاركة، و لك ان تري الصراعات بين قيادات القوي السياسية التي تتصارع في تفوق اخلاقي لا قيمة له الا في الرضاء عن الذات اذ لم ينجح أحد، مع اصرار الجميع بالصوابية و حجوة “ما قلنا ليكم”.

علي المستوي الموضوعي اذا كانت الثورة عملية تاريخية طويلة تشمل تغيرات اجتماعية و سياسية فالثورة في السودان ماضية و لكن لا يمكن ان يستمر الفعل الثوري خارج منظومة الحراك المدني الطبيعي من معارك حقوقة و نضالاات اجتماعية الي الابد و الا لما كان هنالك ما يسمي باللحظة التاريخية لحدوث افعال كبيرة في التاريخ، فهجرة الطبقة الوسطي و تراجع اسعار العقار و هجرة الثوار انفسهم تهدد هذه الحراك و ضمان استمرار سلميته. و من بين العوامل الموضوعية ظاهرة اختطاف الدولة التي تتطلب تحليل جاد و ناضج يشمل جوانب السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و يخرج من المعلبات الفكرية الصمدية ذات الوصفات الجاهزة

خلاصة القول ازاء كل هذه التحديات و النوازل و التي تتطلب خطاب سياسي ناضج و شامل و عمل منظم للقوي الثورية الديمقراطية، نجد أن الفاعلين السياسيين في بلادنا لسان حالهم ازاء هذه التحديات الجسام هو فداحة قول “هل يا تري ما كان يجب أن لا أعمل في شركة سينمز؟ متي سنفعل ما هو مغاير لنحصل علي نتائج مغايرة.

نداء و صرخة

بكري الجاك
22 سبتمبر 2022