سبتمبر 20, 2021 @ 5:34

الوطن من مكان آخر “١”
داخل الطائرة التي أقلتني إلى الإمارات، لم تكن هنالك أي مقاعد فارغة، ولم تكن ثمة حقائب أيضاً، كما لو أن الوقت لم يسعفهم للفرار، أب مريض يبحث عن العلاج، عروس حملت ما يعينها على البقاء طويلاً مع زوجها المغترب، أم أنهكتها الحياة تمشي في ائتاد ولغوب، شاب جرفته الفاقة مُذ كان يركض بعد سنوات التخرج، تجار الشنط والبضائع المحمولة لسد العجز الشره، المُدهبات في مغامرات جوية، وأخر قطع اجازته بعد أن التهم الغلاء كل دراهمه، أعرفهم جميعهم، كما وصفهم صلاح أحمد إبراهيم “الضامرين كالسياط، الناشفين من شقا، اللازمين حدهم، الوعرين مُرتقى” كانت المضيفة تنبهني بين الحين والأخر إلى حزام الأمان المُهمل، تعرضنا لعمليات تفتيش غير مألوفة، بدت الخرطوم من علو غير شاهق أشبه برسوم فإن غوخ، تعيسة ومُظلمة، بلا كهرباء، اصطحبت معي في الرحلة سفر النور حمد “مَهارب المُبدعين” وهو يجسد حياة القلق لدى الرعيل الأول من الشعراء والكُتّاب، وصياعتهم ما بين صالون فوز ودي ماري، أو ما يسميه النور بالدخول إلى السرداب لجدب الواقع المفروض حينها. وقد التقطت الكتاب فتاة كانت تجلس بالجوار، قالت لي وهى ضاحكة؛ ليته يكتب الأن عن هروبنا الجماعي! هبطنا في الخليج واهب المُحار والردى، الأجواء حارة رطبة، يكاد ينعدم فيها الأوكسجين تماما، ولو لا مكيفات الفريون لمات الناس، ومع ذلك أنت محكوم عليك بارتداء الكمامة طوال أيام العصر الكوفيدي هذا، لحماية الناس كذلك من الداء اللعين، المدينة، وأعني دبي بالطبع، نموذج ضخّم لروبوت يتحرك داخله الجميع بانتظام، وهم أسرى لقوانين رادعة تريد أن تحافظ على النمط الرأسمالي، وأنت بلا شك سوف تنغمس في النزعة الاستهلاكية يوماً بعد يوم، ومع ذلك يتابع السودانيون ما يحدث في بلادهم بقلق منقطع النظير، تروعهم جرائم القتل والنهب الوحشية التي تحدث، ويتمنون لو أنهم حملوا معهم كل من يخافون عليه، يرددون أكثر مع صلاح في مناجته الخالدة.
بالله يا نجوم كيف حال إخوتي.
وكيف حال رفقتي، وكيف حال شعبي العظيم؟
نواصل

عزمي عبد الرازق