فبراير 28, 2021 @ 12:45

الاصل فى تحديد سعر صرف اى عملة فى اى دولة ان يتم ذلك عبر عوامل العرض والطلب على عملة الدولة و عملات الدول الاخرى التى لها علاقات تجارية معها، ومعلوم ان تقلبات سعر صرف العملة ترتبط باختلال علاقات العرض والطلب على النقد الاجنبى ، وكلما عانت الدولة من عجز فى ميزان مدفوعاتها خاصة الميزان التجارى فان قيمة عملتها ستتراجع امام عملات الدول ذات الارتباط الاقتصادى بها ، ولهذا فان عدم استقرار سعر الصرف هو عرض لمرض ومظهر لخلل فى احتياطيات الدولة من النقد الاجنبى ، وعلاج هذا المرض يكون باستئصال اسبابه .

ومن المتفق عليه ان القرارات الادارية والامنية ، ليست فعالة فى تحديد سعر صرف العملة تجاه العملات الاجنبية ، وتؤدى الى استمرار حالة عدم الاستقرار فى سعر الصرف ، لأن التنافس على القدر المتاح من النقد الاجنبى يؤدى الى ارتفاع سعره وانخفاض سعر الجنيه السودانى ، وكلما اشتدت الضوابط الادارية والمصرفية وكلما اتسعت الرقابة الامنية ، بدأ المتعاملون فيه فى البحث عن اسواق بديلة آمنة ، وكلما اشتدت هذه الاجراءات نشأت الاسوق البديلة لتداول العملة وانتقلت سلع الصادر للبحث عن محطات اخرى تمكن المتعاملين فيها من التصرف فى عائدات النقد الاجنبى بحرية ، وهكذا اصبحت الدول المجاورة سوقا رائجة للتعامل فى النقد الاجنبى ، واستطاعت ان تستقطب موارد الصادر ومدخرات العاملين بالخارج، واتسع الوضع لاستقبال المنتجات السودانية المهربة ، تجاوزا لضوابط البنك المركزى ، ونشأت محطات فى هذه الدول لاعادة تصدير سلع الصادر السودانية ، للاستفادة من عائداتها من النقد الاجنبى. ويرجع كل ذلك لسياسة التسعير الادارى لسعر صرف الجنيه والضوابط الأمنية .

من المتفق عليه ان التقلب فى سعر صرف الجنيه يرجع الى تزايد العجز فى ميزان المدفوعات (التجارى والخدمات والتحويلات) حيث ادى الى استمرار انخفاض سعر الصرف، واصبح البون شاسعا بين السعر المعلن من البنك المركزى وسعر السوق الموازى .
وازاء هذه الاوضاع اصبح تهريب السلع الإنتاجية مثل الذهب ، الثروة الحيوانية، المنتجات الزراعية (الصمغ السمسم ،،،الخ) وعدم اعادة حصيلتها للجهاز المصرفى هى الاصل ، واصبحت سوقا رائجة للاستخدام خارج القنوات الرسمية ، ولم تفلح كل السياسات المحفزة التى اتخذها البنك المركز لايقاف هذا الانفلات .

وادت سياسة التسعير غير الواقعية لسعر الصرف ، الى عزوف العاملين بالخارج من تحويل مدخراتهم عبر الفنوات الرسمية ،وهكذا خرج احد اهم مصادر النقد الاجنبى عن تغذية احتياطيات البنك المركزى . واستمر تزايد عدم الاستقرار الاقتصادى وادى الى زيادة الفجوة بسبب تراجع تدفق الاستثمار الخارجى ، الذى يعد مصدرا من مصادر النقد الاجنبى ، وشمل التراجع غالب مصادر النقد الاجنبى ، خاصة استرجاع عائدات الصادرات ، وانعكس ذلك على كافة المؤشرات الاقتصادية ، مثل معدل النمو السنوى خاصة فى السنوات الاخيرة .

وقرار اخضاع سعر صرف الجنيه لقوى العرض والطلب ( قوى السوق) ( بما يعرف بالتعويم)، قرار منطقى وموضوعى ، لأنه يمثل ازالة لمظهر من مظاهر التشوه فى سياسات النقد الاجنبى ، ولكنه لا يتم بمعزل عن حزمة قرارات مستخلصة من خطة شاملة للاصلاح الاقتصادى ، لأنه لا يعمل بمفرده ، وهو مثله مثل أى قرار اقتصادى له اثار ايجابية وأخرى سلبية ، وكذلك له متطلبات واشتراطات حتى يحقق اهدافه المرجوة ، ويرتبط بجملة من السياسات التى ينبغى ان تتخذ فى جانبى عرض وطلب النقد الاجنبى . ولهذا فهو قرار صحيح من حيث الاسس والمعايير النظرية الاقتصادية ، قد يحقق نجاحات لمعالجة مشكلة الاسواق غير الرسمية التى سادت على المستوى الداخلى والخارجى للمنتجات السودانية .وقدد يتسبب فى اثار سالبة على كافة القطاعات خاصة فى الأجل القصير .

الاثار السالبة لسياسة تحرير سعر الصرف :
ينبغى التنبيه الى أن تطبيق سياسة تحرير سعر الصرف – بمعزل عن خطة متكاملة للاصلاح – ذات اثار اقتصادية سالبة ومتعددة ، تقتضى ان تصحب بحزمة سياسات تساعد على تحقيق الاهداف ، كما تعمل على تقليل هذه الاثار ا، ونسير فيما يلى لأهم هذه الآثار .
1) انها تؤدى الى ارتفاع الاسعار وزيادة معدل التضحم ، لان تسعير السلع والخدمات خاصة المستوردة او التى تعتمد على مواد خام مستوردة او تستخدم عمالة اجنبية تدفع اجورها بالنقد الاجنبى . ترتفع اسعارها وتظل مرتبطة بسعر الصرف العائم ، ويمتد الاثر ليشمل كل القطاعات، لان الاقتصاد حلقات مترابطة لاتنفك عن بعضها ، وستؤثر هذه التغيرات على كافة الأنشطة.
2) ان التضخم يمثل قمة حالات عدم الاستقرار الاقتصادى ، التى تسود فيها حالة عدم اليقين (الشك) فى اداء الاقتصاد ، و تضعف فيها القدرة على التنبؤ الاقتصادى ، ويتراجع فيها الاستثمار ، بل وقد يهرب راس المال الى خارج الدولة مخلفا وراءة تزايدا فى نسبة البطالة ، وهكذا تؤدى سياسة تعويم سعر الصرف الى تسريع انخفاض سعر صرف الجنيه وبالتالى خروج سعر الصرف عن السيطرة واتساع الازمة وتراجع الاداء فى كافة القطاعات .
3) يتولد عن التضخم المتسارع (الجامح) تخفيض الدخل الحقيقى للفقراء، فتتزايد حالة الفقر, لأن ذوى الدخل الثابت تضعف قدرتهم فى تغيير اسعار خدماتهم او سلعهم بما يحيد اثر التضخم على دخولهم ، وهذه الاثار التضخمية تحتاج لحزمة سياسات لتحييد أثرها على الفقراء .
4) تؤدى اثار تحرير سعر الصرف الى زيادة فجوة العجز المالى بسبب تراجع الاداء الاقتصادى وانخفاض الدخول وزيادة الانفاق لمعالجة اثر لتضخم ، وانخفاض الايرادات بتراجع معدل النمو وهروب راس المال الوطنى والاجنبى.
5) ارتفاع الاتزامات تجاه الاخرين ، خاصة فى المجال المصرفى فى الالتزامات الناشئة بالنقد الاجنبى ، لان تخفيض سعر صرف الجنيه وارتفاع سعر صرف النقد الاجنبى تؤدى الى تغير قيمة هذه الالتزامات ، واول المتاثرين هو البنك المركزى تجاه البنوك ،بما يعرف بالدولار الحسابى الذى يمثل التزامات للمصارف التجارية ، التى كانت محسوبة بسعر الرسمى(55جنيها) الذى يقل كثيرا عن السعر المتوقع (375جنيها) وهكذا سترتفع التزاماته بأرقام عالية تؤدى الى البحث عن كيفية الوفاء بها ، ولا سبيل له غير زيادة عرض النقود وبالتالى يتضاعف ويتزايد معدل التضخم .
6) تزايد العجز المالى للحكومة : بسبب تزايد الانفاق الحكومى الناتج عن زايدة قيمة التزامات وزارة المالية للغير فى العقود الموقعة بالنقد الاجنبى ، ففى ظل شح موارد النقد الاجنبى للحكومة ، ستضطر وزارة المالية لتقييم هذه الالتزامات بالسعر الجديد (المتزايد) فى الموازنة السنوية ، وستؤدى إلى زيادة العجز المالى.
الاثار السالبة كثيرة لا يمكن تفصيلها هذا المقال . ولهذا لابد ان تتخذ هذه السياسة ضمن خطة متكاملة تعالج الاسباب الرئيسة المسئولة عن تقلبات سعر الصرف.

عوامل نجاح سياسة تحرير سعر الصرف:
نشير الى العوامل المساعدة على تخفيف الآثار السالبة المذكورة اعلاه ، وهى تعنى بزيادة عرض النقد الاجنبى (احتياطيات الدولة ) ، وتشمل الآـى:
1) زيادة الصادرات نوعا وكما ، وهذا يتطلب الاهتمام بقطاع الانتاج، بتوفير مدخلاته اللازمة فى الوقت المناسب ، وازالة العقبات المالية والصريبية والادارية التى تقعد بقطاع المنتجين
2) المحافظة على اسواق الصادر والعمل على استيفاء كافة متطلبات المواصفات التى تحافظ على القدرة التنافسية للمنتجات السودانية وتلبية اذواق المستهلكين فى دول اسواق الصادر.
3) تحسين بيئة الاستثمار للمحافظة على المستثمريين الوطنيين وجذب الاستثمارات الخارجية . حيث شهدت الفترة الماضية سلوكيات سالبة على الاستثمار الاجنبى والوطنى ، كما شهدت الاوضاع القانونية اختلالا بينا اضعف الثقة فى النظام القانونى ومدى قدرته على حماية المستثمرين .
4) المحافظة على الاستقرار الاقتصادى لأنه يمثل الشرط الاساسى لنجاح الاستثمارات وجذب المستثمرين
5) أن تبنى الحكومة احتياطيات من النقد الاجنبى مناسبة تجعلها قادرة على السيطرة على السعر ومنع انفلاته ،وإيقاف المضاربات القصيرة ،وهو تحدى حقيقى لأن واقع الحال لا يفيد بأن الحكومة لديها ما يعينها على تحقيق الاستقرار حتى فى السعر الحر الجديد. وهو مما يعنى ازدياد الازمة الاقتصادية .
6) تحتاج هذه السياسة إلى إجراءات لترشيد وضبط الطلب على النقد الاجنبى ،بتوجيه الموارد الى الاولويات بسياسات ادارية مباشرة ، او بسياسات غير مباشرة تحد من الطلب على النقد الاجنبى ، بما يحقق الاستقرار لسعر الصرف فى السوق.

.سياست الدعم الاجتماعى:
كما اشرت ان هذه السياسات تؤثر بصورة مباشرة على ذوى الدخل الثابت عديم المرونة الذى لا يتمكن اصحابه من تغييره ، وهذا يستدعى حزمة سياست تشمل:
تقديم دعم نفدى وعينى للفئات المتأثرة ، وهو يستلزم توفير موارد مالية لمقابلة هذا الانفاق ، ولا شك ان موازنة الحكومة التى تعانى من عجز كبير انعكست اثاره على كافة القطاعات ، لا يبشر بتحقيق ذلك ، حيث يشهد الجميع ان هناك ركودا شاملا وعجزا شمل كل الخدمات الصحية والتعليمية ، وترديا فى مستوى الخدمات وعجزا شمل حتى بند اجور العاملين فى الدولة ، حيث مولت بعجز تجاوز40% من ميزانية عام 2020، كما انه لا يمكن التعويل على مساعدات البنك الدولى ، لأنها لن تكون كافية فى ظل تراجع الاقتصاديات العالمية بسبب جائحة (كوفيد 19) وكذلك التدهور الاقتصادى الذى ضرب البلاد خلال السنتين الماضيتين ، وهذا وضع ينذر بحجم المخاطر التى سيتعرض لها الاقتصاد من جراء هذه السياسة . نرفع هذا النداء للمعنيين بالقرار الاقتصادى ، لدراسة آثار القرارات الاقتصادية قبل اتخاذها ، وارجو الا يكون حظ هذا النداء مثل اهمال تنبيهات الاقتصاديين قبل اجازة موازنة 2020.

بروفيسور احمد مجذوب
الخرطوم 21فبراير 2021