يناير 16, 2022 @ 19:10

ربما كان الشعب السودانى هو الوحيد بين الشعوب العربية والإفريقية الأكثر عِشقًا للديمقراطية، ولكنه أيضًا الأكثر تعثرًا فى تحويل هذا العشق إلى زواج مستقر.

فهو الذى ضحى بمطلب جيلين فى مصر والسودان بوحدة وادى النيل، فى احتجاج مهذب على تنحية اللواء محمد نجيب، ذى الأم السودانية والأب المصرى، والذى ترأس مجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية فى أوائل خمسينيات القرن العشرين.. ولكن أول حكومة ديمقراطية منتخبة فى السودان برئاسة عبدالله خليل لم تُلبِ كل المطالب التى وعد بها السياسيون السودانيون فى ذلك الوقت.

كما أن ثلث الشعب السودانى فى المديريات الجنوبية – الاستوائية، وبحر الغزال، وملكال، شعر بالتهميش، وبدأت أكبر قبائله الزنجية من الدينكا تتمرد على السلطة المركزية فى الخرطوم، والتى بادرت بدورها باستخدام العنف ضد من اعتبرتهم الخرطوم متمردين انفصاليين.

وفى ضوء تعثر النخبة المدنية فى السلطة، قام الجيش السودانى الوليد، بقيادة اللواء إبراهيم عبود، بانقلاب عسكرى أزاح تِلك النُخبة من السلطة، فبدأ الجيش يحكم البلاد بشكل مُباشر. ومرت ثلاث سنوات دون تقدم يُذكر فى تلبية المطالب الشعبية فى شمال السودان أو فى مديرياته الجنوبية، فانتفض طلبة جامعة الخرطوم وعُمال سكك حديد السودان على نظام إبراهيم عبود، حتى أسقطته، وتمت انتخابات حُرة نزيهة، أتت بحزب الأمة الذى كان يتزعمه آل المهدى، إلى السلطة.

ورغم أن الأمور بدت واعدة فى السنوات الأولى لحكومة السيد الصادق المهدى، إلا أن الحرب الأهلية بين جنوب السودان وشماله ظلت محتدمة.. وهو ما أدى إلى انقلاب عسكرى جديد بقيادة اللواء جعفر نميرى. واستمر حكم جعفر نميرى عِدة سنوات دون أن تصدُق وعوده، بل إنه استخدم عنفًا مسلحًا ضد معارضيه فى شمال السودان بأساليب لم يألفها أو يعهدها السودانيون منذ استقلالهم فى منتصف خمسينيات القرن العشرين، وهو ما أدى إلى تراكم الغضب العام فى كل أقاليم السودان، وأدى للمرة الثالثة منذ الاستقلال إلى عصيان مدنى أسقط نظام جعفر نميرى.

وللمرة الأولى فى تاريخ السودان وإفريقيا والوطن العربى، جاءت إلى السلطة شخصية عسكرية من طراز فريد لفترة انتقالية بعد سقوط نميرى، وهو المُشير عبدالرحمن سوار الذهب، الذى وعد الشعب السودانى بفترة انتقالية لا تتجاوز سنة واحدة، فى نهايتها تُجرى انتخابات حُرة نزيهة، بإشراف مراقبين دوليين حقوقيين وعرب – منظمة العفو الدولية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان- وبالفعل، تم كل ذلك طبقًا لِما وعد به المشير سوار الذهب. وفاز فيها حزب الأمة برئاسة السيد الصادق المهدى. وكان هذا الكاتب مع الراحل فتحى رضوان والشاعرة الناشطة سعاد الصبّاح ضمن من راقبوا تِلك الانتخابات والانتقال السلمى للسُلطة. وبدت حكومة الصادق المهدى واعدة، وبخاصة بعد نجاحها فى إنهاء الحرب الأهلية فى جنوب السودان، وتوقيع اتفاقية سلام مع الفصائل المسلحة، مع وعد بإجراء استفتاء بعد فترة انتقالية لكى يُقرر السودانيون فى الجنوب الاستمرار فى سودان ديمقراطى واحد، أو الاستقلال عن الشمال.. وهو ما حدث بالفعل.

ولكنّ فريقًا من شباب ضباط الجيش السودانى، بقيادة اللواء عمر البشير، تمرّدوا على ذلك الاتفاق وعلى انفصال الولايات الجنوبية الثلاث، خاصة أن ذلك الحدث تزامن مع اكتشاف البترول فى الجنوب. ومع ذلك، صمد الاتفاق بين حكومة السودان فى الخرطوم وحكومة جنوب السودان فى عاصمته الجديدة بمدينة جوبا.

ولكنّ عُمر البشير، الذى رقّى نفسه إلى رتبة فريق، ثم إلى رتبة مشير، تحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، بقيادة حسن التُرابى، واعدًا إياها بتطبيق الشريعة. وبدأ بالفعل تطبيق الحدود بقطع أيدى السارق، وجلد من يثبت ارتكابهم الزنى، وهو ما أدى إلى إرضاء البعض الأقل، وامتعاض البعض الأكثر، مع استنكار حقوقى عالمى واسع.. وذلك فضلًا عن انفجار الصراع على السلطة بين المُشير عُمر البشير، والدكتور حسن التُرابى، والذى انتهى إلى استئثار البشير بالسلطة ونجاحه بشتى الأساليب فى البقاء فيها 30 سنة. وهى أطول فترة زمنية لنظام حُكم فى السودان منذ استقلاله عام 1956.. ولكن دوام الحال من المُحال، والسلطة المُطلقة للبشير أدت إلى مفاسد مُطلقة.. لذلك انتفض الشعب السودانى للمرة الرابعة وأسقط نظامه.

وخُلاصة القول، وكما رأينا فى ذلك الاستعراض الموجز لمسيرة السودان منذ استقلاله قبل ستين عامًا.. أن الشعب السودانى أثبت بما لا يقبل الشك أنه عاشق مُتيم بالديمقراطية ولا يطيق الاستبداد الذى يجلب معه الفساد.

ومع ذلك، تعثر السودان مرارًا وتكرارًا فى تحويل ذلك العِشق للحُرية والديمقراطية إلى زواج مُستقر. لقد انفصل الجنوب عن الشمال، وهناك عصيان مدنى فى شرق السودان، وإضراب فى الميناء الرئيسى للبلاد، وهو ميناء بورسودان، وانتفاضات شعبية متكررة فى غرب السودان. وهو ما يوحى بأن النخبة السودانية الشمالية، سواء من المدنيين أو العسكريين، قد تعثرت كثيرًا وطويلًا فى حُكم البلاد.

ربما كان المطلوب هو العودة إلى تراث وحدة وادى النيل، حيث كانت أجيال مصرية سابقة تهتف بعفوية وسذاجة ومثالية: «مصر والسودان لنا، وإنجلترا إن أمكنا»، و«الاستقلال التام أو الموت الزؤام». فربما لن يهنأ السودان بالاستقرار والرخاء إلا بالعودة لمربع وادى النيل. والله أعلم.

وعلى الله قصد السبيل

سعد الدين ابراهيم
المصري اليوم