يناير 27, 2023 @ 2:14

باعه لأجلها..
وما بقي منه صار دَيْنَاً عليه..
هكذا يقول – شعراً – من لم يبق من عمره هذا شيءٌ بعد بيعه لمحبوبته..
وتغنّى بالشعر هذا – لحناً – إبراهيم عوض..
ويتغنّى به الكثيرون الآن – من جيل مطربي اليوم – وهم لا يعرفون شاعره..
ويتغنّون بأشعار غيره… ولا يعرفونهم أيضاً..
بل ولا يعرفون العديد من المطربين الذين صاغوا الأشعار هذه لحناً شجيا..
ولكنهم يتكسّبون من كلا الأشعار – والألحان – هذه..
يتكسّبون مالاً وفيراً – وألقاباً فخيمة – ويبتاعون كل ما يُسعد أعمارهم..
ولكن صاحبنا هذا باع عمره..
باعه ليُضاف إلى عمر فتاته… وما بقي منه اعتبره دَيْنَاً عليه واجب السداد..
وبالأمس سدّد دَيْنَه..
أو انقضى ما تبقى من عُمره قبل أن يُكمل السداد لمصرف مرابحات الحب..
ويقول في قصيدته هذه:
ما بقــدر أبوح… أنا ما داير أصــرِّح
يمكن قول يروح… يمكن قول يجرِّح
يمكن شيء يفوح… والناس ما بتريِّح
إلى أن يقول في خاتمتها:
بعت العمر عشان حياته… وباقي العمر عليَّ دَين
إنه الصحفي – والشاعر – النعمان على الله… والذي كانت حياته على الله..
كانت على اسم رواية يحيى حقي خليها على الله..
وفيها يحكي الأديب هذا قصة الفلاح المظلوم الذي مثل أمام القاضي..
والقاضي في عجلة من أمره ليلحق بقطار الصعيد..
فيسأل الفلاح عن مُشكلته ليقول له: أصل الجاموسة بتاعتي يا سيدنا الأفندي..
فيقاطعه صارخاً: جاموسة ايه؟… وبتاع ايه؟..
ثم يضيف مُقلِّباً أوراقاً أمامه: انت هتحكيلي قصة حياتك؟… يللا اللي بعده..
ثم يهرول إلى القطر مُحمِّلاً بالخيرات..
والزمن يجري بأخلاق الناس جريان القطار… فلنخليها – إذن – على الله..
هذا ما أراد قوله القاص يحيى حقي..
وصاحب ما بقدر أبوح اسمه على الله… وكان يخلي كل شيء على الله..
ومطربو – وشعراء – اليوم في عجلة من أمرهم..
وشعارهم في ذلك: العمر ليس بعزقة ليبدد – أو يُباع – فيما لا فائدة منه..
وقصة حياة النعمان لا فائدة منها… في نظرهم..
ولو أردنا أن نقصها على أحدهم لصاح فينا صيحة قاضي الصعيد ذاك..
لصاح عجِلاً: انت ح تحكيلي قصة حياته..
ثم يُهرع – إن كان مطرباً – إلى خشبة مسرح… أو حفل عُرس ليغني:
بعت العمر عشان حياته… وباقي العمر علي دَين
وحتى من بين زملائه الصحافيين من استكثر عليه زمن حكيٍّ عن حياته..
فاكتفوا بنعيٍّ صغير… في مساحة صغيرة..
ثم كان النعي هذا في صفحاتٍ داخلية مع إعلانات المحاكم والقضايا..
والنعمان رحل عن حياتنا..
بعد أن نذر جانباً من عُمره للصحافة… وجانباً للشعر… وجانباً للمحبوبة..
فما بقي منه شيء ليعيش أكثر… ويخليها على الله..
حتى الذي كان قد جعله دَيْنَاً عليه انقضى كما الزمن الضائع في كرة القدم..
رحل الذي ضحّى بحياته..
وَبَاعَ عمره!.

صحيفة الصيحة