نوفمبر 27, 2022 @ 12:02

قلنا إنّ الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، هو حزب عريق وهو حزب كان يدعو إلى وحدة وادي النيل، وإنه جمع بين السجادة والزعامة السياسية الوطنية والنضال، وهو طليعة أحزاب الحركة الوطنية السودانية، وقلنا إنّ له قيادات عريقة في النضال والفكر وقيادة الرأي والمجتمع، وقلنا إنه حزب جمع بين الزعيم الأزهري والسيد علي الميرغني، وقلنا هو حزب وسط يتمتّع بالاعتدال.

ضربت الحزب في بعض الأوقات صراعات في فترة الإنقاذ، وظل الميرغني زعيماً للأصل، ولكن في الأشهر السابقة لملم شمل الأحزاب الاتحادية في مؤتمر عُقد لذات الغرض في مصر، وبعد المؤتمر كلفت لجنة لقيادة هذا التجمع، واختار السيد محمد عثمان الميرغني، ابنه جعفر نائباً لرئيس الحزب، وهذا الأمر واضحٌ أنّه لم يجد القبول من السيد الحسن الميرغني، ونشب نزاع، كل يدعي أنه الحزب، وكان هذا النزاع محدوداً، ولكن هذا النزاع التنظيمي انتقل الى مرحلة الصراع السياسي المباشر، وضرب الحزب بعاصفة عاتية وخرج من طور النزاع المحلي إلى صراع الدوائر الخارجية، وبدأ يظهر وجود الأيادي الخارجية.

ومعلومٌ انّ الحزب له علاقات خاصة مع مصر منذ بواكير الاستقلال، وظل كذلك حتى مؤتمر القاهرة الأخير الذي جمع شتات الأحزاب الاتحادية، ولكن يبدو أن يد بعض الدول العربية من غير مصر تدخّلت في الأمر بدعوتها السيدين الحسن وإبراهيم الميرغني إليها. حيث صار الصراع سياسياً، وتباينت المواقف حتى في الخطوط السياسية، وهذا الصراع بهذا المنحنى مآلاته خطيرة.

أولاً، جعل الصراع داخل بيت زعامة الحزب وبين شقيقين، وهما القيادة الدينية وإن جمعت مع السجادة والزعامة السياسية، لأنهما أصل حزبين جمع بينهما اتفاق سياسي، فالحزب الوطني الاتحادي لم يكن حزباً طائفياً، ولذلك لما اجتمع مع حزب الشعب الديمقراطي ليس من باب القداسة، ولكن من باب وحدة الفكرة مع التباين في غير ذلك.

لذلك أولى المآلات المتوقعة أن يرى تيار الوطني الاتحادي الخروج من عباءة الزعامة الدينية إلى الزعامة السياسية.

ثانياً، فك الارتباط السياسي بين الحزبين والاستقلال والابتعاد عن بعض.

ثالثاً، تتشكل علاقات خارجية على القديم أو على الجديد المستحدث.

رابعاً، هذا الصراع يضعف الحزب والأسرة، لأنه صراع وإن عبثت به الأيادي الخارجية، ولكن قطعاً تأثيره الداخلي كبيرٌ في ظل وجود أحزاب اتحادية اجتمعت شكلياً، ولكنها لم تجتمع وتتجمّع تنظيمياً ومضموناً.

خامساً، سيضعف السجادة، خاصةً وأنّ الجيل الرابع هذا ما عاد مشغولاً بالأذكار من قبل الختمية والأنصار، لا البراق ولا التراب، خاصةً وأنّ الطائفتين نافستهما طوائف ومجموعات دينية أخرى انتشرت ومارست السياسة مع الدين مثل الإخوان المسلمين وأنصار السنة وغير ذلك حتى من الطرق الصوفية التقليدية.

سادساً، الأثر التاريخي مهم في الذاكرة السودانية، ولكن ليس اهتمام الجيل الجديد، وخاصةً مع الثورة الرقمية، وانتشار الوسائط الاجتماعية، وانتشار أحزاب الخدمات على حساب الأحزاب الفكرية، لم يعد للفكر في العمل السياسي سوق.

سابعاً، أعتقد أن السودان يمر بمرحلة تحول كبير من حيث الزعامة والوراثة والقيادة الأسرية لبعض الكيانات السياسية التي نشأت بزعامة تاريخية نضالية أو فكرية، ولكن الآن السوق يتشكّل جديدا، ولكن من أحزاب البرامج، لأن كثيراً من الميزات التي كان يتمتّع بها الزعماء القدامى صار مفروشاً في السوق كما تفرش الطماطم في شارع عام، حيث توفر العلم والمال والعلاقات الخارجية، ولم تعد هنالك ميز نسبية تفضيلية يتمتّع بها البعض دون الآخرين، حيث الآن الزعامة لمن يفرش البرش ويملأ الكرش ويحمل السهر وفي وجهه قهر.

ولذلك هذه المتغيرات أعتقد أنّ أبناء الزعامات القديمة عليهم أن ينتبهوا أن (القطر فيه مفتش).

عليه، أعتقد أنّ الصراع في الحزب الديمقراطي الأصل، صراع مصالح دول وخاصة في مُحيطنا العربي.

ومعلوم أن (الصراع قاصد بيت العجوز) وليس صراع الأشقاء لوحده وإن وجد، ولكن الصراع الحقيقي من وراء الأكمة وله ما بعده.

وهنا نرحب بعودة السيد محمد عثمان الميرغني إلى السودان في ظل أزمة السودان هذه، ليسهم في العلاج إن استطاع إلى ذلك سبيلا.

صحيفة الصيحة