يناير 27, 2023 @ 1:11

كان هاشم صديق موجوعاً حين تساءل في حلقة تلفزيونية عيدية حول تفسير الشعر والألحان، التي ترافق مسيرة الثراء الفجائي، كأنما ترتبط هذه الظاهرة في انطلاقها المباغت بالثراء الذي يهبط فجأة.. وأضاف هاشم مثلما هناك مصانع لإنتاج البلاستيك و(السفنجات)، وهذه من عندي، والثلج وكل أنواع العصائر هناك مصانع لإنتاج الشعر والألحان.
النبوغ المتأخر ظاهرة لم تألفها الإنسانية، بل تعضد تعبير شائع ينم عن الموهبة هو النبوغ المبكر؛ فالفنان ينبغ باكراً ثم يحتشد وتتراكم تجاربه حتى تفيض، لكن أن يظل نابغاً بعد سن الرشد فذلك أمر يستحق المناقشة.
لقد لفت نظري أن الروائي البرازيلي باولو كويلو بدأ كتابة الرواية وكان عمره يناهز الـ 48 عاماً وأخرج عمله الروائي العلامة (الخيميائي) وهو في تلك السن، ثم تتالت رواياته الرائعة التي ترجمت لأكثر من ثلاثين لغة، ووزعت ملايين النسخ بكل اللغات.. ولكنني أجد تبريراً لباولو وهو يكتب بعد سن الأربعين، فالفن الروائي يحتاج لتجريب طويل ولمخزون هائل من التجارب، ويحتاج أيضاً لصقل وتمكن ولاطلاع واسع على تجارب الآخرين الروائية والحكائية، وأعتقد أن من الطبيعي أن يكتب الروائي بعد تلك السن، فمريد البرغوثي كتب روايته (رأيت رام الله) بعد تجارب شعرية عديدة تجاوزت الخمسة دواوين، انطبع خلالها كشاعر، لكنه باغتنا بالرواية، وكذلك الشاعر إبراهيم نصر الله الذي بدأ كتابة الرواية بعد سن الأربعين، فأدهشنا بعمله (زمن الخيول البيضاء) بعد أن أمتعنا بعمله السابق (الحطب الأخضر).
لم يسجل التاريخ عبر مساراته الطويلة ظاهرتي كتابة الشعر والألحان بعد سن الأربعين.. فالمتنبي كتب الشعر وهو ابن العشرة أعوام. لم يتجاوز طرفة بن العبد سن الخامسة والعشرين حتى إنجاز معلقته الحداثية(لخولة أطلال ببرقة ثهمد/ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد) واغتياله… ودونك الشعابي، والتجاني يوسف بشير، ومعاوية محمد نور، وكافكا.
لقد أثار استغراب هاشم صديق الذي كتب الملحمة وهو دون سن العشرين، الكثير من التساؤلات في ذهني.. ولأنه ربط هذه الظاهرة بالثراء المالي، فقد تداعى لي الكثير من الشعراء الجدد الذين بلغوا سن الرشد.. لكن الشعر أغواهم فصاروا ضمن صيغ القوافي وظلت الفضائيات تحتفي بهم، وبأشعارهم وأموالهم دون أن يسأل المذيع أياً من هؤلاء عن سر النبوغ الذي أتى متأخراً!


اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب