نوفمبر 27, 2022 @ 11:27

نعم انه وجوب الامتثال والتسليم المطلق لله دون النظر في الحيثيات والأحداث وتقدير مآلات أمر الله وفق تراتيبية العقل والمنطق وهو فتحٌ لا يكون الا لمن رحم ربي…
ولنا في الحوار القرآني بين سيدنا الخضر ونبي الله موسي صلوات ربي وسلامه عليهما في صورة الكهف ما يُبيِّن أنْ ليس للأنبياء والرسل الا الالتزام بحدود التكليف الإلهي والتجرُد المطلق في تنفيذه، فسيدنا الخضر بحكم ما أوتي من مدد إلهي نعجز نحن بطبيعتنا البشرية عن معرفة كنهه!! فقد كُلِف بفعل أمورٍ ووقائع لا يُنبئُ واقعها مَخْبَرِها ولا يُخبر عن مقاصدها ظاهرها، ولكن النص القرآني في هذه الآيات الكريمات يوحي أن سيدنا الخضر أُخْبِر بمقاصد هذه الوقائع وكُلِف بتنفيذها فاستسلم لأمر الله رغم مخالفة ظاهره للشرائع البشرية السائدة فكان أن(خرق المركب.. وقتل الغلام ..وأقام الحائط دون مقابل رغم حاجتهم للطعام) وبما أن ماقام به الخضر لا مبرر له ويخالف الرشد في ظاهرة بل ويُعدُّ ظلماً بيناً ويخالف جميع الشرايع العقلية في حينه فتقاطع ذلك مع تكليف كليم الله موسى بوصفه رسولٌ مكلفٌ بدعوة الناس الى الكف عن فعل ما يخالف شرائعه، وعدم الإقرار بمنكر بالمطلق، وتنفيذ هذا التكليف إقتضى إنكار موسى عليه السلام ما قام به سيدنا الخّضِر رغم انه ربما كان يعلم مقاصده بوصفه نبي له من الصلةِ بربه بما يتجاوز مداركنا، وإن لم يكن يدرك المقصد من تلك الأفعال التي قام بها الخضر إلا انه وبمقتضى سياق الآيات يعلم أن الخضر لا يفعل ذلك بمشيئته!! ولكنه التكليف الرسالي الذي يحتم عليه الجهر بالإنكار وإلحاق ذلك بطلب العذر بمجرد تذكيره بشرط المرافقة ،كما أن تكرار إنكاره للأحداث الثلاث التي فعلها الخضر والتي تخالف مقتضى ظاهر الشرع، وتكرار طلب الإعْذار بعد التذكر بشرط الرفقة، يوحي بتقاطع تكاليف النبيَّيّن عليهما السلام بالقدر الذي استعصى معه استمرار الرِفقة فكان الفراق بعد إقرار نبي الله موسى بعدم تمكنه من الالتزام بشرط المرافقة بما يشير -ضِمناً -الى إلتزامه بما لا يملك الخيرة في تجاوزه وهو تكليفه بما يكلف به الرُسل من الجهر بالدعوة تبليغاً بالشرائع وإنكاراً لما يخالفها وكان ذلك منه استدلالاً على وجوب الالتزام بتكليف الخالق وإن اضطره ذلك لتجاهل الالتزام بعهده مع مخلوقٍ وإن كان نبياً او ولياً بائن الولاية، وهذا ما حتَّم عليهما الفراق إلتزاماً بالتكليف رغم سعيه لصحبة الخضر كما يتضح من سياق ما ورد بالآيات ،تلك هي الرسالة وبعض العبر المستوحاة من قصة نبي الله موسى مع الخضر وهي وجوب تسليم العبد المؤمن واستسلامه المطلق لأمر الله وتنفيذ التكليف دون إعمال الفكْر والنظر والركون الى ظواهر الامور وكانت تلك هي العِبرة والمقصد المستدرك {والله اعلم}
ثُم ها هي قصة سيدنا ابراهيم -أبو الأنبياء- مع إبنه اسماعيل عليهما السلام تؤكد أن كمال الإيمان يقتضي التسليم بالعبودية المطلقة لله وأن أمرنا كله لله ولا خيرة لنا فيه وليس لنا الا التسليم والإنابة،، فحين استسلم سيدنا اسماعيل للذبح بيد أبيه ابراهيم عليه السلام!{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}وقد كان في قوله إشارة إلى أن الصبر ايضاً ليس أمراً مطلقاً وقد لا يكون إلا بمشيئة الله!! وبإمتثال إسماعيل للأمر أحكم حلقات الإبتلاء على أبيه وأجهده تنافساً وتدافعاً على طاعة الله والفوز بمرضاته وشراء ما عنده وإن كان الثمن ذبح فلذة كبده وقبل سيدنا ابراهيم تحدي الخضوع القاسي والاستسلام لأمر الله طاعةً فشرع -دون تردد-في تنفيذ أمر الله تسليماً دون انتظار حتى مجرد توضيح الغاية من ذبح ابنه او اخضاع الأمر لعقله البشري لأنه كان ذو عزمٍ على طاعة الله ويقين وثقة – بما آتاه الله من فتح-أن ما عند الله لا تكون عاقبته إلا خير!!– وأن التسليم والإقرار بالقصور عن ادراك غايات ومقاصد الأمر الإلهي يحتم العبودية والانصياع التام فكان منه الخضوع المطلق لأمر الخالق (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) صدق الله العطيم
فكان من الله عزّ وجل الفداء العظيم- بعد تحقيق الغاية وهي الإقرار الخالص قولاً وفعلاً بالعبودية المطلقة لله عزّ وجل- تحقيقاً وتطبيقاً لقوله تعالى في سورة الأنعام {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وكان الاحتفاء بهذا التسليم عبرةً أوجب الله علينا الإحتفاء بها نسكاً نتعبد به تقرّباً وفداءً وتذكيراً بأننا لم نؤت من العلم الا القليل وتسليماً بأن مقاصد الرحمن في شأننا لا ندركها الا افتراءً وما علينا الا التسليم والتسليم المطلق بعد استيفاء الأسباب فى حدود علمنا الذي وصفه الرحمن بالقليل الذي لا يرقى الى سبر مقاصد أمره تعالى ،والحكمة في سير اقداره فينا ، فما اعظمك إلهي وما أضعف الإنسان وما أجهله بعد أن حمل الأمانة الإلهية ظلماً وإفتراءً ،هكذا نعته الخالق وأخبرنا بجهله حتى عن معرفة مدى قدرته وحدود علمه،،،
{إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} صدق الله العظيم،،،،


اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب