نوفمبر 26, 2022 @ 14:51

ليس العناق والهدايا أبرز ما يقدمه شعب الماساي (Maasai) احتفاء بالمتزوجين الجدد أو المواليد الذين يتنسمون عبق الحياة لأول مرة؛ فهنالك هدية أخرى أهم وأعرق لدى قبائل الماساي في كينيا وتنزانيا، وهي إغراق العروسين والمواليد الجدد بالبصاق تعبيرا عن الاحتفاء ومباركة الحدث الجديد.

أما إذا كنت زائرا محتفى به في بلاد الماساي، فلك احتفاء خاص وتقدير عجيب؛ إذ ستكون محظوظا بوجبة مقدسة عبارة عن خليط غريب من دم البقر ولبنها، تعبر عن الود والاحتفاء ومبالغة في الإكرام وإحسان الضيافة.

الماساي شعب الرماح وصيادو الأسود
تنتسب قبيلة الماساي إلى المجموعة النيلية، وهي مركب إثني وثقافي ينتمي إليه عدد من القبائل والمجموعات الأفريقية، وتعرف بمجموعة الشعوب الناطقة باللو، والممتدة في أقاليم شرق أفريقيا (يضم قبائل الماساى بكينيا، والتوتسي في رواندا وبوروندي، والدينكا في جنوب السودان، بل وبعض المجموعات بمالي والسنغال المشهورة بطول القامة وسواد البشرة الداكن)، وبين أعراق هذه المجموعات تمتد عراقة وتاريخ أفريقي عتيد، وارتباط بالأرض والمحراث، وسيطرة للأسطورة والأرواح.

وارتبطت علاقات الماساي بالأرض رعيا واصطيادا، واتخذوا من الغابات مصدرا أساسيا للحياة، وموردا للقوت الذي ينثال تحت رماح الرجال الأشداء.

وتذهب الأسطورة الشعبية لقبيلة ماساي إلى أن إلههم (إنغاي) منحهم الماشية وأعطاهم مكانا خصبا لتنميتها وسماء تمطر غيثا مستمرا، ولذلك فإنهم كانوا في الماضي لا يرون بأسا في أخذ مواشي القبائل الأخرى، لأن إلههم أوكل رعايتها إليهم وحدهم حسب معتقدهم. ويرى رافضو تلك الأسطورة أنها تؤسس لسلطة السطو وغصب مواشي الغير وممتلكاتهم، رغم ما يوجد لها من سند من الدين الافتراضي والأسطورة المصطنعة.

ويقيم عدد كبير من الماساي في منطقة “وادي ريفت” في مقاطعة “كاجيادو بأرياف دولة كينيا التي تحتضن قرابة مليون شخص من هذه القبيلة غريبة التقاليد، في حين يقيم عشرات الآلاف أيضا في تنزانيا، وتأويهم مساكن مصنوعة من الطين والقش وأعواد الأشجار، وتتولى النساء كل أعمال البيت ويتفرغ الرجال للرعي والاصطياد.

وتقضي تقاليد القبيلة بأن يعيش رجل الماساي العقود الثلاثة الأولى من حياته في كد وتقشف وسعي لإثبات الذات، فهو لا يدخن ولا يعاقر الخمر ولا يتزوج، وبعد اكتمال الثلاثين يمكنه أن يتزوج ويتفرغ لبناء الثروة من المواشي، ولكنه يستمر في المشاركة في حماية المجتمع من المخاطر، بوصفه جنديا في جيش الماساي الذي يضم كل البالغين.

ويشتهر شعب “الماساي” بملابسهم المميزة، وأزيائهم الملونة، التي تكون حمراء في الغالب، وأحيانا تكون خضراء تبعا لتراتبية اجتماعية. ويرمز لون الملابس الأحمر في ثقافتهم إلى الأرض والحرية والشجاعة والدم.

ومن بين هذه الثياب المهمة فإن “الكوشا” هي اللباس الأشهر التي يرتديها القوم، حيث يلفون بها أجسادهم، كما ترتدي النساء مجوهرات على شكل أقراص مسطحة حول أعناقهن، وأقراطا وإكسسوارات مصنوعة من حلي محلية، ويصنعون أيضا أقراطا من قرون الحيوانات.

ويدير شعب الماساي بنيته الهرمية في نظام أبوي قوي يتولى فيه كبار السن قيادة المجتمع وتدبير شؤونه وإدارة مصالحه ومصالحاته وقضائه ومعتقداته الدينية التي تدور بين تقديس إله الخصب والنماء والخير الذي يمثلها الإله الأسود “أنغاي ناروك” الذي يتحول أيضا إلى إله للشر والانتقام ليكون الإله الأحمر “أنغاي نانيوكي”، وتجسيدا لهذا المعتقد تمثل البقرة السوداء ظلا لإله الخير، أما أختها الحمراء فهي بقرة الانتقام وظل الإله الأحمر.

وكغيرها من المجتمعات الريفية؛ فإن الأبقار تمثل بالنسبة لملاكها ثروة هائلة وتمنحهم مكانة اجتماعية في العشيرة؛ هذا فضلا عما تجود به من حليب ودماء.

وحسب موقع منظمة “سرفايفل إنترناشيونال” (Survival International) -التي تُعنى بقضايا القبائل في العالم- فإن لدى شعب الماساي تصنيفا عن الحياة مماثلا لذلك المدرج في قائمة فوربس لأغنى 400 أميركي؛ مما يعني -وفق الموقع- أن المال ليس مفتاح السعادة.

وفي ما يعد الماساي مهور بناتهم أحد أهم مصادر الثروة بالإضافة إلى المواشي؛ فإنهم لم يكونوا يهتمون بتعليم النساء؛ ويرى كثير منهم تعليم الفتاة مضيعة للوقت والجهد، ، فلا داعي للتعب في تعليم فتاة ستنقل إلى بيت آخرين بعد زواجها، وهم من سيجني في النهاية تلك الثمرة.

وتتوزع الأسرة مهام وأعباء الحياة اليومية بطريقة معروفة ومستقرة منذ قرون، إذ يتولى الرجال حماية الأسر من الحيوانات المفترسة، والصيد وجلب حاجتها من الغذاء، في حين يتولى الأطفال والمراهقون رعاية الأغنام والماشية، أما النساء فيقضين أوقاتهن في صناعة وبناء الأكواخ والاهتمام بشؤون المنزل، وتوفير المياه وجمع الحطب، وأحيانا يقمن برعاية الحيوانات، وهو ما يستلزم السفر مسافات طويلة بحثا عن الكلأ والمرعى.

غير أن عوادي الزمن فرضت على الماساي التكيف مع وضعية جديدة، حيث لم يعد صيد الحيوانات البرية -بما فيها الأسود- ممكنا نظرا للقيود التي فرضتها الحكومتان الكينية والتنزانية من أجل حماية بيئتها البرية، ولذلك أصبح الماساي مضطرين إلى خلع جلباب “الغابوية” والسير في الطرق والأكل من طعام أهل المدينة ومزاحمتهم في متغيرات الحياة التي أنزلت رجال الرماح والغابات إلى شوارع المدن وبيوت الإسمنت والصفيح.

كما أن موجات الجفاف وآثار التغير المناخي التي ضربت المنطقة، وإقبال الأجيال المعاصرة على التعلم والتوظيف، أحدثا ثقبا كبيرا في الحياة التقليدية للماساي، وسط مقاومة من الأجداد وحرص على التمسك بأنماط الحياة القديمة، وتمرد من الأبناء على العيش في جلباب الآباء المتقلص.

وقبل سنوات قليلة، تخرجت أولى الدفعات من فتيات الماساي لحراسة الغابات على أطراف حديقة أمبوسيلي الوطنية، وهي منطقة تضم عدة آلاف من الفيلة، وأعدادا كبيرة من الأسود على حدود قبيلة الماساي ودون حواجز بينهما، وهو ما يعكس تحولا كبيرا في نظر مجتمع الماساي للمرأة وعملها ولما يمكن أن تضطلع به من مهام ظلت حكرا على الرجال.

الحياة مع الأسود.. حرب وصراع وتقديس لملك الغابة
تأخذ العلاقة بين الماساي والأسود أبعادا متعددة، فهم يقطنون في البيئة نفسها، وثروة شعب الماساي وأهم ما يملكونه قطعان الماشية والأبقار، وهي أهم ما تبحث عنه الأسود، ويمثل صيد الأسود ركنا أساسيا من الهوية والقيمة الاعتبارية للرجل، فليس أهلا للانتماء ونيل ثقة وعضوية الماساي ولا حتى الوصول إلى درجة البلوغ من لم يضرج أسدا برماحه، وهكذا فإن على المراهقين أن يتباروا في اصطياد الليوث الشرسة في البراري الوعرة لينضموا إلى رجال الماساي.

وتتخذ المواجهة مع الأسود أشكالا متعددة؛ فقد تكون فردية تظهر فيها شجاعة الفرد وقوته واستحقاقه لمكانة أكبر بين أقرانه؛ وأحيانا تكون جماعية حين ترد معلومات عن وجود خطر من أحد الأسود، فيقوم عدد من الأفراد بمطاردته، ويندفعون لمواجهته بقوة وجسارة ودون خوف ولا وجل أو تردد.

وحين ينشبون رماحهم وسهامهم في أطراف جسد ملك الغابة، ويسقط مضرجا بدمائه، يتجمعون بطريقة دائرية ويرقصون حول جثته احتفاء بالنصر على الليث الصريع.

ورغم أن الأسود ما فتئت من حين لآخر تنقض على قراهم ومساكنهم وتقتنص أحد فرائسها من مواشيهم الغالية أو حتى من أبنائهم أو بناتهم، ورغم أن صيدها يمثل “خدمة إجبارية” على السائرين في طريق البلوغ؛ فإن شعب الماساي لم يحاول إبادة الأسود، لأنها حيوانات مقدسة بالنسبة لهم؛ فالأسد هو رمز خصوبة الأرض ونمائها وبقاء ماشيتها.

كما أن الأسود الآن باتت محمية بقرارات رسمية، ولم تبق لدى الماساي غير حكايات الكبار وقصص السابقين عن ملاح الانتصار على الليوث وكسب هيبتها وشوكتها من أفرادهم الشجعان كبارا وصغارا.

ومما يحز في نفوس كبار الماساي أنه لم يعد بإمكانهم صد هجوم الأسود أو اصطيادها بالرماح المسننة. ويشير أحدهم بمضاضة ووجع في تقرير للجزيرة إلى امتعاضه من ذلك؛ قائلا “حتى ولو هاجمتنا الأسود في قرانا فيمنع علينا قتلها بل نبلغ الحكومة فقط!”

الصراع على الأرض
ولأن شعب الماساي يقطن في أرض شاسعة وذات خصوبة كبيرة، يمارس عليها منذ مئات السنين حياته البدوية الرعوية؛ فقد دخل في صراعات متتالية على الأرض مع السلطات المتعاقبة على الحكم، حيث قاوموا الاستعمار البريطاني واتهموه بإجبارهم على ترك أراضيهم بالقوة لصالح مستوطنين بريطانيين عام 1904، وهو التاريخ الذي وقعت فيه القبيلة على اتفاق مع المستعمر البريطاني تنازلت بموجبه عن أفضل أراضيها للمستوطنين الأوروبيين. وتقدم العشرات من أبناء قبيلة الماساي عام 2004 إلى المفوض العام البريطاني في السفارة البريطانية في نيروبي إدوار كلي بعريضة تطالب بإرجاع أراضيهم.

ومن حين لآخر، ينشب صراع مع الحكومة الكينية أو التنزانية بسبب إصرارها على إخلاء الماساي بعض الأراضي في إطار مساعيها للحفاظ على البيئة والتنوع الحيواني في المنطقة.

وقبل شهور، وثقت منظمة “سرفايفل إنترناشيونال” مشاهد من احتجاجات قبائل الماساي على قيام الشرطة التنزانية بإجبارها على إخلاء أراضيها.

وقالت إن السلطات التنزانية تريد إجبار قبائل الماساي على ترك أراضيها بعدما قررت تحويل تلك الأراضي إلى محمية، ثم باعتها لصالح شركة “أوتيرلو بيزنس كوربوريشن” الإماراتية المختصة في تنظيم رحلات الصيد والسياحة، وهو ما أثار غضب أبناء شعب الرماح الذين سقط كثير منهم تحت وهج الغاز المسيل للدموع وقمع قوات الأمن التنزانية.

ونشرت المنظمة على موقعها في تويتر صورا لمصابين من قبائل الماساي جراء تعرضهم لإطلاق النار من قبل قوات الأمن أثناء تنفيذها عملية الإخلاء بالقوة، كما نشرت مقاطع فيديو تظهر مواجهات دارت بين القبائل والسلطات.

دماء البقر.. شراب “الطاقة” المقدس
ويعتمد غذاء الماساي بشكل رئيسي على لحوم الحيوانات وما تجود به ضروعها من حليب وألبان، ولكنهم يلجؤون في بعض الأحيان لغذاء غريب وخاص لا يعرف عند غيرهم؛ إنه شرب دماء البقر “طازجة” فوارة، وسط طقوس خاصة وغريبة.

ويتم الحصول على الدم “الطازج” من البقر مع المحافظة على حياته؛ عبر عملية فنية تحتاج خبرة ودقة وثباتا، حيث يتم رمي أحد الودجين في الرقبة برمح خاص، ولكن بحذر شديد حتى لا ينغرز الرمح في الرقبة ويصيب البقرة في مقتل، بل يكفي أن يشق الجلد ويخترق جزءا يسيرا من الودج فيفيض الدم مدرارا.

وفي تلك الأثناء، يكون أحدهم قد هيأ قارورة أو إناء فخاريا يضعه في مسرب الدم، وعند الانتهاء من العملية، يتم غلق الجرح بالتراب وما اتصل بها من روث البقر، وأعشاب الأرض دون أن تتضرر البقرة.

وعلى الفور يتم تناول الدم، وأحيانا يمزج معه الحليب، حيث يحرضون على تناوله “طازجا” وبشكل سريع قبل أن يَخثُر ويَثخُن.

ويعتقد الماساي أن الدم المسال من البقر يمنحهم قوة هائلة، سواء شرب وحده، أو مزج معه حليبها، وهو في كل الأحوال يمثل شرابا خاصا ليس متاحا في كل وقت وحين، كما أنه يستخدم في بعض المناسبات الخاصة مثل حالات الولادة أو الختان أو تكريم ضيف موقر.

البصاق.. بركات واحتفال
في كل ثقافات العالم يشعر الناس بالتقزز تجاه البصاق في الشارع أو أمام الناس، أما في كينيا وعند شعب الماساي تحديدا فإن البصاق في اليد قبل مدها للمصافحة يمثل تعبيرا عن الحب والاحتفاء والمكانة.

ويتوارث أفراد القبيلة هذه العادة كابرا عن كابر، حيث يواظبون على البصق في أكفهم وعلى أيديهم قبل مدها للمصافحة، كما يحرصون على العادة ذاتها مع المواليد الجدد.

وفي حفلات الزواج يتبارى المباركون والمهنئون بالنفث والبصاق على العريسين في مشهد لن تراه إلا عند قبائل الماساي ذات التاريخ المفعم بالغرابة.

شعب الرماح والرقص
ومن بين التقاليد الراسخة رقصة الماساي التي تتضمن حركات بهلوانية وقفزا وتحريكا للرجلين واليدين وإمالة الجسم إلى الأمام والخلف، كما تمثل طقوس الزغاريد النسائية في الحفلات الموسمية جزءا أساسيا من الهوية الثقافية للماساي.

وفي رقصة “أدموا” الأثيرة عند الماساي يتحلق الرجال في نصف دائرة، يتوسطها أحدهم ويقوم بالقفز إلى أعلى مستوى ممكن، وفي أثناء ذلك يرتفع أصوات الأغاني من البقية، وتتصاعد النغمة عاليا مع ارتفاعه عن الأرض، وفي الغالب فإن وثبة الواحد منهم تزيد طوله مترا أو أكثر إذا كان طوله في الأصل نحو مترين.

ومن بين تلك الثقافة يأتي الطب التقليدي والمعرفة الدقيقة باستخدام الأعشاب، حيث يقدمون خدمات الاستشارة والترويج لأعشاب متنوعة، منها ما يفيد في الصحة الجنسية حسب ما يقولون.

وباتت ثقافة الماساي القديمة وحضارتهم وطقوسهم في طور التراجع؛ فالمدنية أخذت كثيرا من أوقات الشباب وثقافتهم، غير أن تلك الثقافة أصبحت مصدر دخل ورافدا للاقتصاد وموردا للدخل، حيث يعرض الماساي أمام السواح ثقافتهم وتاريخهم وطقوسهم الدينية والثقافية، مما يدر دخلا ويجلب حركة سياحية ويحمي جزءا من ثقافة الماساي من الاندثار.

ومع ذلك، توشك التطورات التي توالت في السنوات الأخيرة أن تلقي بعادات وثقافات ونمط حياة الماساي إلى التلاشي والنهاية؛ فلم تعد الأبقار مصدر الثروة الوحيد، ولا الغابات المأوى المناسب، وصيد الأسود أصبح المحظور الأول في حياة الماساي، وأرضهم الزراعية باتت مقسمة بين شركاء متشاكسين، ولم تبق غير مدنية مفروضة، هذبت من توحش الماساي، وحولت بعضهم من اعتناق الرماح إلى كائنات “لطيفة” تبدع في الترويج للسياحة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب